وريث الديجوري

شريعة الانسحاب

aa7c4349b40412ceشمس الروايات2143fc7cbddfd4cc7fef31da6050ddb9

تقدم سيروان لطلب وظيفة "حارس عامل". لم ينظر إليه المشرف ذو العين الواحدة بأي اهتمام؛ بالنسبة له، هذا الفتى النحيل ذو الجسد المليء بالندوب والكسور القديمة ليس سوى وقود آخر يُلقى به في جوف المستنقع. تم قبول طلبه فوراً نظراً لندرة من يجرؤون على الذهاب إلى العمق، وسُلِّم سيروان رمحاً خشبياً برأس حديدي صدئ، ودرعاً جلدياً مهترئاً تفوح منه رائحة الرطوبة والعفن.​كانت المهمة تقتضي مرافقة ثلاث عربات خشبية محملة بـ "الحجر الطيني الداكن" نحو المعسكر الأوسط للطائفة، عبر ممرات ضيقة ومتعرجة تحيط بها مياه المستنقع الآسنة من الجانبين. كان الفريق يتكون من خمسة عمال يجرون العربات بجهد جهيد، وثلاثة حراس؛ سيروان، وصاقلان آخران من الرتبة الأولى في مرحلتها المتقدمة، يمتلكان أسلحة مصقولة ونبرة تعلُّو يملؤها الزهو الغبي.​تحركت القافلة ببطء شديد وسط الضباب الرمادي الكثيف الذي كان يحجب الرؤية لأكثر من خمسة أمتار. سار سيروان في المؤخرة، ممسكاً برمحه الصدئ ببرود ميكانيكي، وعيناه تراقبان سطح الماء الراكد وتحركات القصب الميت في صمت. لم يكن يفكر لحظة في حماية الشحنة أو التضحية من أجل العمال؛ بل كان يحلل باستمرار زوايا الرؤية ومسالك الهروب المتاحة إذا وقع المحظور.​بعد ساعتين من السير الصامت، توقفت العربة الأولى فجأة بصوت تحطم خفيف.​انشق سطح الماء الداكن على جانب الطريق بسكون مرعب، وخرجت منه ثلاثة كائنات تُعرف بـ "زواحف الوحل"؛ وهي وحوش زاحفة من الرتبة الأولى، يبلغ طول الواحد منها مترين، وتغطي أجسادها حراشف طينية سميكة تحميها من الطعنات العادية، وتفرز لعاباً يسبب الشلل.​- "اللعنة! زواحف وحل! استعدوا للقتال وصونوا الشحنة!" صرخ الحارس المتقدم وهو يسحب سيفه المشحون بطاقة حمراء باهتة.​اندفع الحارسان الآخران بشجاعة غبية نحو الوحوش، مدفوعين برغبة إثبات الذات ونيل مكافأة المعسكر الأوسط. أما سيروان، فقد اتخذ خطوتين واسعتين إلى الوراء فوراً، مستنداً بظهره إلى شجرة ميتة وضخمة، وخفض رمحه بحيث لا يلفت انتباه الوحوش إليه، مراقباً توازن القوى.​بدأت المعركة الطاحنة. نجح الحارسان في جرح أحد الزواحف، لكن حراشف الوحوش كانت تمتص معظم الطاقة الضعيفة لضرباتهم. فجأة، اندفع الزاحف الثاني من زاوية ميتة وضرب الحارس الأول بذيله الثقيل، ليرسله طائراً في الهواء ويسقط داخل المياه العميقة لتبتلعه فتحة الطين صامتاً.​تراجع الحارس الثاني برعب شديد، وتلاشت شجاعته في ثانية واحدة وهو يرى زميله يختفي تحت الماء:- "ساعدني! أنت أيها الحثالة في الخلف... تحرك واطعنها!" صرخ مستنجداً بسيروان بوجه شاحب.​ألقى سيروان نظرة سريعة وخالية من أي تعبير على الموقف:​المعطيات: وحشان سليمان تماماً، ووحش واحد هائج ومجروح، وحارس واحد مرعوب استنزف نصف طاقته، وجسده هو لا يزال يحمل أثر كسور باروك.​النتيجة الحتمية: كفة المعركة مالت بالكامل لصالح الوحوش. البقاء هنا من أجل "رمح صدئ" أو "وظيفة حارس" هو انتحار صرف بنسبة 95%.​دون أن ينطق بكلمة واحدة، ودون أي اعتبار لنداء الحارس المشرف أو العمال، ألقى سيروان الرمح الخشبي الثقيل والدرع الجلدي المزعج على الأرض لتخفيف وزنه وزيادة سرعته. التفت نحو الممر الخلفي الذي جاؤوا منه، وانطلق راكضاً بكل ما أوتي من قوة بدنية، مدمجاً الخيط الضئيل لطاقة ظله الرمادي المبتدئة في ساقيه ليمنح نفسه خفة حركة وسط الوحل.​تسمع خلفه صرخات الحارس الثاني وهو يُمزق حياً، تلتها أصوات تحطم العربات الخشبية وصيحات الرعب من العمال الفارين في كل اتجاه. لم يلتفت سيروان ولو لمرة واحدة وراءه. في حساباته، الموت بسبب "الخجل من الانسحاب" أو الكبرياء الزائف هو أقصى درجات الغباء البشري. البقاء حياً يعني فرصة أخرى، والموت يعني نهاية الحسابات.​ركض لمسافة كيلومترين كاملين عبر الممرات الملتوية حتى أحس بأنفاسه تحرق رئتيه كالنار، وتوقف خلف صخرة ضخمة مغطاة بالطحالب وهو يلهث ببطء، حابساً أنفاسه وطاقته تماماً لئلا تستشعرها الوحوش أو أي صياد عابر.​انتظر هناك لثلاث ساعات كاملة في صمت مطبق وجلسة مستقيمة، حتى تأكد من هدوء المكان تماماً وتراجع الوحوش إلى قاع المياه.​لم يَعُد إلى منجم الأحجار الخارجي؛ فالعودة بيدين فارغتين وهرب حارس يعني إما العقاب بالجلد حتى الموت أو الطرد في العراء. بدلاً من ذلك، تسلل بحذر شديد نحو موقع الكمين مستغلاً الضباب المتكاثف مع خيم الليل. كانت العربات محطمة ومقلوبة، والجثث قد سُحبت بالكامل إلى قاع الماء العفن، ولم يتبقَ سوى بقع الدماء الداكنة المتخثرة على الوحل الرمادي.​عثر سيروان بعد بحث حذر بين الحطام على سيف الحارس الميت الذي سقط في الوحل؛ كان سيفاً حديدياً عادياً من الرتبة الثانية، أفضل بكثير من رمحه الخشبي الصدئ. أخذه ونظفه ببعض الحشائش الجافة ببرود، ثم فتش بقايا حقيبة قماشية ممزقة سقطت من أحد العمال، ليجد في داخلها 120 قطعة نحاسية فقط وجرة صغيرة معدنية من "زيت القطران الأسود" المستخرج من أعماق المستنقع.​لم يجد أي حبوب، ولا أي لفائف مهارة، ولا أي كنوز مخفية. كانت غنيمة بائسة، بالكاد تكفي لسد رمقه ببضع وجبات جافة لأسابيع قادمة.​جلس سيروان في عتمة الليل داخل جذع شجرة مجوفة ضخمة. وضع السيف الحديدي الجديد على ركبتيه، وأخرج آخر كِسرة ضئيلة جداً من الحبة المتوسطة التي كان يحتفظ بها منذ أكثر من سنة ونصف. بلعها، وشعر بحرارتها الطفيفة تدب في عضلاته المنهكة، لكن مركزه الرمادي ظل كما هو؛ راكداً، جافاً، وفي أدنى درجات الرتبة الأولى البدائية.​مضت الآن سنتان كاملتان منذ بنائه لمركز طاقة الظل الرمادي، ولم يتقدم خطوة واحدة نحو المرحلة المتوسطة للرتبة الأولى. القوة في هذا العالم المظلم لا تعترف بالأمنيات، بل بالموارد التي يحظرها الكبار عن الصغار.​- "الهروب منحني الحياة، لكنه أبقاني في القاع،" تمتم سيروان وهو ينظر إلى نصل السيف بملامح جافة خالية من أي غطرسة أو إحباط. "أنا بحاجة إلى وسيلة للاستقرار داخل المعسكرات الداخلية دون الاعتماد على القتال المباشر الذي لا أملك مقوماته."​تأمل جرة "زيت القطران" الصغيرة؛ فالقطران مادة حيوية تُستخدم في المعسكرات الداخلية لصناعة المشاعل والمواد الحارقة للدفاع ضد وحوش المستنقع، ومن يتقن جمعه أو توفيره يملك تذكرة دخول شرعية كـ "مورد وصانع مبتدئ"، بعيداً عن خطوط القتال الأمامية.​أغلق سيروان عينيه واستسلم لنوم حذر ومتقطع، مستعداً لبدء رحلة جديدة، شاقة وبطيئة، في جمع القطران من شقوق المستنقع قطرة قطرة، متحملاً الرطوبة السامة التي بدأت تترك أثرها البارد العفن في عظام صدره المصاب.

5d3d3eeacf972dddشمس الروايات281198874900eaf43a42c6f563fe863d

00f05f1546197464شمس الرواياتb621d195ea1c389f2eab9bcbca272e1a