64c92a61bfce81feشمس الروايات38e0b8cc51aab6ca6ba4bfa9ebc9df18
استغرق الأمر من سيروان أربعة أشهر كاملة من السير الحذر والزحف بين التخوم الجبلية المعزولة فقط ليصل إلى أطراف "مستنقع النهر الأسود". لم يكن يملك دابة، وأضلاعه التي تحطمت في مواجهته الأخيرة مع باروك كانت تلتحم ببطء شديد، وتصدر نغزات مؤلمة مع كل حافة جبلية يتسلقها أو جهد بدني يبذله.خلال تلك الأشهر الأربعة، لم تتزحزح قوته خطوة واحدة إلى الأمام. "مركز طاقة الظل الرمادي" في أسفل سرته كان مستقراً كبحيرة راكدة وجافة. أما الـ 3 حبات متوسطة الجودة التي غنمها بصعوبة بالغة، فلم يبتلعها طمعاً في اختراق سريع؛ بل كان يجزئ الحبة الواحدة إلى كِسر صغيرة جداً على مدار أسابيع، فقط ليحافظ على تماسك مساراته المتضررة ويمنعها من الانكماش. علم أن جسده لا يزال أضعف من أن يتحمل تدفقاً كاملاً لطاقة حبة متوسطة، وأن أي تعجل سيحرقه من الداخل ويفقد رتبته تماماً.عندما وصل أخيراً إلى مشارف المستنقع، كانت الرائحة العفنة للماء الراكد والنباتات المتحللة تملأ الأجواء. المكان لم يكن طائفة بالمعنى التقليدي ذات قصور وساحات تدريب؛ بل كان تجمعاً وحشياً للمطاردين، وقطاع الطرق، والصاقلين المنبوذين الذين أسسوا معسكرات متناثرة تحت مسمى "طائفة النهر الأسود" لتبادل الموارد والاعتماد على الطبيعة السامة للمكان لحمايتهم من ملاحقة الإمبراطورية.الخطوة الأولى لسيروان لم تكن البحث عن قتال أو استعراض قوة، بل كانت الاختفاء والانحناء للمحيط.توجه نحو الأطراف الخارجية للمستنقع، حيث توجد مناجم "الحجر الطيني الداكن"، وهي أحجار من الرتبة المتدنية تُستخدم لبناء جدران المعسكرات ومقاومة رطوبة المستنقع. هناك، لم يطلب مقابلة أحد أو التسجيل كصاقل؛ بل وضع سيفه المتضرر جانباً، وانضم إلى صفوف العمال الفانين واللاجئين الذين يحملون الأحجار الثقيلة على ظهورهم مقابل بضع قطع نحاسية وجبة طعام واحدة يملؤها التراب في اليوم.مرت ستة أشهر كاملة وسيروان يمارس هذا العمل الشاق.ستة أشهر من العمل اليدوي المهين تحت وطأة سوط المشرفين الصغار. تحول جسده المتناسق إلى كتلة من العضلات الجافة والصلبة كالجذوع الميتة، وتغطى جلده بطبقات من الطين والندوب الناشئة عن حمل الصخور الحادة. كان الهدف من هذه الخطوة مزدوجاً بناءً على حساباته الباردة: أولاً، الاختفاء الكامل داخل كتلة البشر المهملين فلا يلاحظه أحد أو يربطه باختفاء باروك؛ وثانياً، إجبار وعائه الجسدي النحيل على التأقلم مع بيئة المستنقع الثقيلة وتطهير عروقه عبر الجهد البدني الخالص قبل محاولة صقل أي طاقة إضافية.في إحدى الليالي، بعد انتهاء نوبة العمل، كان سيروان يمشط أطراف المستنقع بحذر بحثاً عن بعض الأعشاب الطفيلية التي تنمو على جذوع الأشجار الميتة لتساعده في تقليص آلام صدره المستمرة وتخفيف رطوبة المكان في عظامة.فجأة، تحسست حواسه المبتدئة حركة مريبة. انبطح فوراً داخل الوحل والماء العفن، مستعيناً بالظلام الكثيف وطبيعة طاقة ظله الرمادي التي تجيد الاندماج مع المحيط الراكد.من بين الضباب الكثيف، ظهر صاقلان من الرتبة الأولى - من أتباع المعسكرات الداخلية للطائفة - يطاردان رجلاً عجوزاً يرتدي ملابس رثة، ويبدو أنه سرق شيئاً ما.- "سلم ما معك أيها العجوز، وإلا أطعمنا جثتك لتماسيح المستنقع!" صاح أحد الصاقلين وهو يشهر خنجراً مسموماً يلمع في العتمة.كان العجوز يلهث وهو محاصر، وضغط بيده على صدره مستخرجاً كيسًا صغيرًا يحتوي على مادة تلمع ببريق فضي خافت - "مسحوق العظام المشع"، وهو مورد متدنٍ جداً يُستخدم لتغذية مسارات الطاقة المبتدئة، لكنه يمثل ثروة لشخص يعيش في هذا القاع.تأمل سيروان المشهد من مكان اختبائه في الوحل. دارت حساباته بسرعة آلية خالية من العواطف:المعطيات: خصمان في الرتبة الأولى بكامل طاقتهما وأسلحتهما، وجسده هو منهك ومصاب من عمل المنجم وسيفه ثلم.الاحتمالات: حتى لو باغت أحدهما بغدر، الآخر سيقضي عليه عاجلاً. كفة القتال ليست في صالحه إطلاقاً، ونسبة النجاح لا تتجاوز 10%، والمخاطرة تعني الموت الصرف.دون ثانية واحدة من التردد، ودون أي شعور بالشفقة تجاه العجوز أو الرغبة في الطمع بالمسحوق، بدأ سيروان بالتحرك متراجعاً إلى الخلف ببطء شديد كالأفعى. حبس أنفاسه تماماً، ودفع بجسده داخل عمق المستنقع المظلم والبارد. انسحب من المنطقة بالكامل دون أن يلتفت وراءه أو يهتم بسماع صرخات العجوز التي تعالت بعد لحظات مستنجدة، والتي قطعت فوراً بصوت طعنة جافة.بالنسبة لسيروان، الموت مجاني في هذا المكان، والكبرياء أو الشجاعة المزيفة من أجل مورد قد يقتله هي حماقة لا يغفرها منطق "الموقّر". البقاء حياً في الظل هو النصر الوحيد المتاح الآن.عاد إلى كوخه الطيني الصغير المتداعي، وجلس على الأرض الباردة يرتجف من برد الماء العفن. أخرج كِسرة صغيرة أخرى من الحبة المتوسطة المتبقية معه، ووضعها تحت لسانه. أغمض عينيه وبدأ في توجيه الخيط الضئيل جداً من الطاقة الرمادية عبر مساراته التي أصبحت أكثر اتساعاً وصلابة بفضل أشهر العمل اليدوي الشاق في المنجم.مرت سنة كاملة منذ دخوله المستنقع. سنة ونصف منذ مقتل باروك.ولم يتغير مستواه؛ لا يزال في الرتبة الأولى، في مرحلتها البدائية. القوة هنا لا تأتي بالرغبات أو المعجزات، بل بالوقت والجهد القاتل. لكن الفارق الوحيد هو أن وعاءه الجسدي صار قشراً صلباً لا ينكسر بسهولة، وطاقته الرمادية أصبحت أكثر كثافة واستقراراً في أعماقه، كخنجر مخفي في غمد من الطين والتراب.في الصباح التالي، أعلن المشرف على المنجم بصوت حاد عن حاجة المعسكر الداخلي لطائفة النهر الأسود إلى "حراس عمال" لمرافقة شحنات الأحجار إلى عمق المستنقع، حيث الخطر أكبر والموت أقرب.نظر سيروان إلى يديه الخشنتين الملوثتين بالوحل، وعرف أن وقت الانتقال من مرحلة الاختالتام في المنجم إلى مرحلة التحرك الطفيف قد حان، برغم خطورة الطريق.فاء
bb3b3acd4970949eشمس الرواياتffa590d1db9a3de35860c6c0b2c30f58
7322a5dcee144a14شمس الروايات9b40f02d6159e318903e78c71bbe2282