0cc62dccafd0e1bbشمس الرواياتbe704655d971d348e14a2f34689e20ab
سفر همس الفراغالفصل الثاني: العاصفة تهمس باسمًا---ضربت العاصفة أطراف القرية كقبضة يدٍ غاضبة.لم تكن عاصفة رملية عادية. لم تكن الريح التي تعوي فحسب، ولا الرمال التي تلسع الوجه كإبرٍ مجنونة. كان فيها صوت. ليس هديرًا، بل همسٌ متعدد الطبقات، كأن مئات الأفواه تتحرك تحت الرمال، تنطق كلماتٍ باليةً من لغةٍ ماتت قبل أن تولد أول حضارة بشرية.كيرِن كان لا يزال عند حافة الجرف.لم يركض. لم يستطع. ساقاه تجمدتا—ليس من الخوف، بل من شيءٍ آخر. شيءٍ في الأسورة. كانت تتوهج الآن بضوءٍ فضيّ ثابت، لا يومض، لا يخبو، كأنها عينٌ صغيرةٌ تفتحت على العالم لأول مرة. الضوء لم يكن دافئًا كالنار. كان باردًا. ضوء قمرٍ ميت. ضوء شيءٍ لا ينتمي إلى الشمس."كيرِن..."الهمس عاد. أوضح الآن. أقرب. لم يعد في رأسه فقط، بل حوله. في الريح. تحت قدميه. فوقه."يا وعاء الفراغ...""من أنت؟" نطقها بصوتٍ مسموع، لكن الريح خطفت الكلمات من فمه قبل أن تكتمل.لم يجبه أحد. بدل ذلك، تحرك شيءٌ في جوف العاصفة.كانت "الأطياف الرملية" تخرج من قلب العاصفة كما تخرج الفقاعات من قاع بحر. أشكالٌ بشرية—أو ما كان بشرًا في يومٍ ما—مصنوعةٌ من الرمال والريح والذاكرة. ملامحها غير مكتملة: عينان فارغتان، أفواهٌ مفتوحة على صرخاتٍ صامتة، أصابعُ تذرو مع الريح. كانت تطفو. تنساب. تقترب.تراجع كيرِن خطوة. شعر بحافة الجرف تحت كعبه. خلفه، ثلاثون قدمًا من الصخر العمودي، ثم أسفل القرية. أمامه، الأطياف. يمينه، العاصفة. يساره، لا شيء إلا الرمال والظلام."ممتاز،" تمتم لنفسه، وصوته ساخرٌ حتى في هذه اللحظة. "إما أن آكلني الأشباح، أو أكسر رقبتي. خياراتٌ ممتازة."تقدم طيفٌ أقرب من البقية. كان أطول. أوضح. في يده اليمنى—أو ما تبقى من يده—شيءٌ لامع. خنجر؟ لا. قطعة زجاج. زجاج الصحراء، ذلك الذي يتشكل عندما تضرب الصواعق الرمال. لكن هذه القطعة كانت سوداء. سوداء كالليل الذي لا قمر فيه."إليارا..." همس الطيف. "إليارا... عادت...""جدتي؟" قال كيرِن، والريح تعوي حوله. "ماذا تعرف عن جدتي؟"الطيف توقف. أمال رأسه—حركةً غير بشرية، كأن عنقه مكسور. للحظة، بدا كأنه يحدق في الأسورة. ثم تراجع. تراجع كما يتراجع المرء أمام نار."الأسورة..." همس. "أسورة العاصفة..."ثم حدث ما لم يتوقعه كيرِن.انحنى الطيف.انحنى كما ينحني الخادم أمام سيده. وخلفه، كل الأطياف الأخرى—عشرات، ثم مئات، تخرج من العاصفة كدخان—انحنت. ثم، بصوتٍ واحد، همست:"يا حامل الفراغ... عد إلينا... أعد إلينا النبض..."ثم، كما ظهرت، اختفت. تلاشت في الريح كأنها لم تكن. وبقيت العاصفة وحدها—ريحٌ ورملٌ فقط. لا أصوات. لا أطياف. كأن شيئًا ما أغلق بابًا.---بقي كيرِن واقفًا، يرتجف. ليس من البرد—رغم أن الأسورة كانت كقطعة جليد على معصمه—بل من شيءٍ آخر. شيءٍ يشبه أن يكتشف المرء فجأة أن ظله ليس ظله. أن انعكاسه في الماء ليس انعكاسه."ما هذا بحق..."لم يكمل الجملة. العاصفة لم تنتهِ بعد. كانت الرمال لا تزال تلسع. الريح لا تزال تعوي. وفي الأسفل، في القرية، سمع صراخًا.تحرك. ركض على طول حافة الجرف، متجهًا نحو الطريق المنحدر المؤدي إلى القرية. رئتاه امتلأتا بالغبار، وعيناه الرماديتان أغمضتا جزئيًا ضد الرمال. الأسورة ما تزال تتوهج، تضيء طريقه بضوئها الفضي الخافت.عند منتصف المنحدر، تعثر بشيء.جثة.توقف. انحنى. الرمال كانت تغطي الجثة جزئيًا. كان رجلاً—بشريًا—في منتصف العمر. يرتدي ثياب تاجر، أفضل مما يرتديه أهل القرية، لكنها ممزقة الآن. في صدره جرحٌ عميق. لم يكن جرح سكين. كان... غائرًا. كأن شيئًا ما امتص اللحم من داخله."من أنت؟" همس كيرِن. لم يكن يتوقع جوابًا.لكن الجثة أعطته جوابًا. ليس بصوت، بل بشيءٍ في يده المتخشبة. خريطة. رقعة جلدية عتيقة، مربوطة بحبل. انتزعها كيرِن—أصابعه لم تكن ترتعش، تفاجأ من ثباتها—وفتحها.كانت خريطة لصحراء العظام الزجاجية. لكنها لم تكن خريطة عادية. كانت تُظهر شيئًا لا تُظهره خرائط التجار. تحت الرمال، عميقًا، كان هناك... مدينة. أو ما تبقى منها. ممرات. قاعات. وفي المركز، غرفةٌ مرسومةٌ بدائرة من سبع وثلاثين نقطة. نقطةٌ واحدة—السابعة والثلاثون—كانت مختلفة. لم تكن نقطة. كانت فراغًا. ثقبًا في الرقعة.وفي أسفل الخريطة، بخطٍ قديم، كُتب:"غرفة الهمس الأولى. حيث بدأ كل شيء. حيث سينتهي."---طي كيرِن الخريطة ووضعها في جيبه الداخلي. لم يكن يعرف لماذا. لم يكن يعرف ماذا سيفعل بها. لكنه شعر—شعورًا غريبًا، غير مريح—أن هذه الخريطة كانت تنتظره. أن الجثة كانت تنتظره. أن العاصفة كانت تنتظره.أن كل شيء منذ ولادته كان ينتظر هذه اللحظة."كيرِن!"صوت سولارا. كانت تركض نحوه، ضفيرتها الطويلة تضرب الريح، وثوبها البني يرفرف. الشعلة في يدها—شعلة عادية، لا علاقة لها بالشعلة الخالدة التي نالتها—كانت تكاد تنطفئ."كيرِن! أين كنتَ؟ العاصفة... هناك شيء في العاصفة! رأيتُ...""أطيافًا،" أكمل جملتها. "أنا أيضًا."توقفت أمامه. كانت تلهث. نظرت إلى يديه—إلى الأسورة المتوهجة—ثم إلى وجهه."ماذا يحدث؟" سألت."لا أعرف،" قال، وكان صادقًا. "لكن..." نظر إلى الأفق. العاصفة كانت تتراجع. تبتعد. كأنها أتت من أجل شيءٍ واحد، وحصلت عليه. "...أظن أني سأعرف قريبًا."سولارا مدت يدها. لمست الأسورة بتردد."إنها باردة،" قالت."أعرف.""وبها ضوء.""أعرف.""كيرِن... جدتك...""أعرف."صمتت. ثم نظرت إليه بتلك العينين الخضراوين الكبيرتين، وفيهما شيءٌ لم يره كيرِن من قبل. ليس شفقة—كان قد رأى الشفقة كثيرًا. بل شيءٌ أقرب إلى... الرهبة."أنت لست صفرًا،" قالت. "لم تكن أبدًا."ثم، قبل أن يرد، أطفأت العاصفة آخر همساتها. خيم الصمت. وبقيت الأسورة تتوهج—ضوءًا فضيًا باردًا، ينبض كنبض قلبٍ نائم.---[نهاية الفصل الثاني]
1dc674a6360bae9bشمس الروايات48bf840b0c5e19e94ef8ec5514b7505a
04934e245a927c16شمس الرواياتf1bf6a669e67fcaf94a4df9aabc5995b