WHISPER OF THE VOID

فصل جديد 1

dae5a4cce1d1a97eشمس الرواياتdea373349f7520cda4681845efe6bb6e

سفر همس الفراغالفصل الأول: حيث يضحك الصفر في وجه العاصفة---كانت الشمس تلفظ أنفاسها الأخيرة فوق صحراء العظام الزجاجية. لم تكن شمسًا رحيمة تغادر بهدوء، بل كانت شمسًا تحتضر كل مساء وكأنها المرة الأخيرة، تنزف ألوانها—أرجوان الجروح، وبرتقال النيران، وذهبًا باهتًا كلون عيون الموتى—على رمال لم تعرف معنى الظل.لم تكن هذه الصحراء رمالاً عادية. كانت كل حبة فيها شظية من عظام الزمن—بقايا مدن اندثرت قبل أن يحفظ التاريخ اسمه، وجيوش ابتلعتها الدهور، وأحلام تبخرت تحت شمس لا ترحم. عندما تهب الريح، كان الرمل يغني أغنية الموتى. أغنية لا يسمعها إلا من ولد هنا. أغنية لا يسمعها إلا المنبوذون.كيرِن سمعها منذ أن وعى على الحياة. كان الصوت جزءًا منه، كندوب يديه، كالسخرية التي تسكن عينيه.وقف عند طرف "ساحة اليقظة"—دائرة من الحجر الأبيض المتصدع في قلب قرية الأثل—ساندًا ظهره إلى جذع نخلة ميتة. كان نحيفًا، لكن نحوله لم يكن نحول الضعف. كان نحول سكين استُعملت طويلاً حتى رقّ نصلها، نحول عدّاء مسافات طويلة لا يحمل من اللحم إلا ما يحتاجه. عضلاته معبّأة تحته، منحوتة من العمل اليدوي وحياة الصحراء القاسية، لا من التدريب العسكري. ذراعاه المعروستان للشمس، البرونزيتان كالنحاس القديم، كانتا متقاطعتين على صدره. الندبة البيضاء الصغيرة فوق حاجبه الأيمن—ذكرى حجر رماه به طفل منذ سنين وهو يهتف "صفر"—كانت تبرز أكثر في ضوء الغروب، كأنها توقيع صغير على وجهه. وجهه كان حاد الزوايا، فكّه قوي، وجنتاه بارزتان، كأن الريح نفسها نحتته. كان يبدو أكبر من تسعة عشر عامًا بكثير، لا بالتجاعيد، بل بتعبير عينيه. عيناه الرماديتان الفاتحتان—رمادي عاصفة لم تولد بعد، متناقضتان بشدة مع بشرته الداكنة—كانتا تتحركان ببطء من طفل إلى آخر.راقب الصبية وهم يصطفون كالقرابين الصغيرة أمام المسنّة ميرا. كان هناك سبعة عشر طفلاً هذا العام. سبعة عشر أملًا. سبعة عشر عائلة تحبس أنفاسها. نظر إلى أيديهم المرتعشة، إلى عائلاتهم الحابسة أنفاسها، ثم نظر إلى يديه هو. خشنتان. متشققتان. مليئتان بجروح صغيرة لم يعد يتذكر مصادرها—جروح من الزجاج المتطاير في ورشة الحداد غور، من الحبال الخشنة، من الصخور الحادة. يدا عامل، لا يدا "متناغم"."تذكروا،" كان صوت ميرا الخشن يقطع سكون الغروب، "شظايا الكون لا تُعطي. هي تستجيب. إذا كانت أرواحكم طينًا، فستحتضنكم الشظية التي تشبه طينكم. وإذا كنتم هواء...""...فلا أحد يريدكم،" تمتم كيرِن لنفسه وهو يدفع خصلة من شعره الأسود الكثيف عن جبهته. كان شعره غير مهذب دائمًا، ينسدل على عينيه كأنه يختبئ خلفه.رفع رأسه. كانت ميرا تتكئ على عصاها—عصا من خشب "شجرة الدموع"، سوداء كالليل، تلمع في الضوء الأخير. كانت امرأة قصيرة، ظهرها منحنٍ كغصن زيتون عتيق. بشرتها البنية الداكنة تغطيها تجاعيد كشقوق الأرض الجافة في آخر الصيف. عيناها الغائرتان كانتا بئرين لا يعرف الضوء قاعهما، لكنهما كانتا حادّتين كقط صحراوي يترقب. على رأسها منديل أزرق باهت، وثوبها الأسود الطويل يلمس الأرض. يداها معروقتان، والأوردة زرقاء تحت الجلد الرقيق، لكن قبضتها على العصا كانت قبضة حداد."كيرِن."صوتها كسر حبل أفكاره. كانت تشير إليه بعصاها."تقدم."رمش. "أنا؟""هل هناك كيرِن آخر في هذه القرية؟"ضحكة مكتومة من الحشد. داني، ابن التاجر كورفين—فتى في السابعة عشرة، بدين لكن بدانته صلبة كبرميل، وجهه مستدير، خداه ورديان، عيناه صغيرتان متقاربتان تلمعان بغباء راضٍ عن نفسه—التفت إلى صديقه. كان يرتدي قميصًا حريريًا مستوردًا من أركاديوم، أزرق مطرز بخيوط ذهبية، سخيفًا في بساطة القرية الصحراوية، وأصابعه مغطاة بخواتم رخيصة. همس بصوت مسموع:"ربما قرروا اختباره مرة أخيرة. ربما... تحوّل إلى شيء.""ربما تحوّل إلى كومة رمل،" رد صديقه.ضحك آخر.تقدم كيرِن. كان يعرف هذا الطريق جيدًا. مشى فيه قبل ثماني سنوات، في يوم يقظته. يوم عيد ميلاده الحادي عشر. يوم وقف أمام الشظية الزرقاء ومد يديه... ولا شيء. لم تطفأ الشعلة فقط. بل انطفأت كل شعلة في نطاق عشرين خطوة. شموع الحفل. مشاعل الحراس. حتى الغليون في فم الحداد غور.تذكّر وجه أمه—أو من كان يظنها أمه—وهي تتراجع عنه. تذكّر الهمسات: "صفر." "ملعون." "لماذا لا تطرده القرية؟" "لأنه حفيدها."جدته. إليارا. المرأة التي لم يذكر منها إلا ظلاً. امرأة ماتت قبل أن يولد، لكن اسمها كان كافيًا لإبقائه حيًا في قرية تكره الضعفاء. كم كره هذا الاسم وهو يسمعه يُستخدم كدرع له: "لا تلمسه، إنه حفيد إليارا." كأنه طفل يحمل اسم أب ميت فلا يجرؤ أحد على ضربه... لكن لا أحد يدعوه للطعام أيضًا."مد يديك."وقف أمام المذبح. سبع وثلاثون شمعة مصفوفة في دائرة. في الوسط، شظية الاختبار—بلورة زرقاء بحجم قبضة اليد، واحدة من العشرات التي تدور بين القرى. كانت باردة. دائمًا باردة.مد يديه. كانتا ثابتتين.أغلق عينيه.وفي داخله، همس صوت ساخر: ربما هذه المرة. ربما اكتسبتَ روحًا منذ آخر مرة.الثواني تطول. كان يسمع أنفاس الحشد. أنفاسًا محبوسة. أنفاسًا مشفقة. أنفاسًا تنتظر فشله. يشم رائحة الشمع والعرق. يشعر بلسعة الرمال على خديه. شعر الأسورة—تلك القطعة المعدنية العتيقة التي أعطتها له ميرا عند الغروب—باردة حول معصمه. لم تكن باردة فقط. كانت تتجمد. تمتص حرارة جلده. لماذا وضعها أصلًا؟ لماذا يثق بامرأة عجوز تتكلم بالألغاز؟طقطقة.فتح عينيه.شمعة واحدة. الشمعة السابعة والثلاثون—الأخيرة، الموضوعة في مكان منفصل عن البقية—انطفأت. تمامًا كما حدث قبل ثماني سنوات. لكن هذه المرة، لم تنطفئ كل الشعلات. فقط هذه الواحدة. وكأن شيئًا ما اختارها بالذات."ها!" ضحكة من الحشد. "لم يستطع حتى إبقاءها مشتعلة!"ميرا لم تضحك. عيناها كانتا مثبتتين على الشمعة المنطفئة. على الدخان المتصاعد منها—دخان لم يكن أبيض، بل رماديًا يميل إلى الفضي. دخان تصاعد... ثم تلاشى في اتجاه الشرق. نحو العاصفة القادمة."انتهى،" قالت ميرا أخيرًا، صوتها محايد. "ليتقدم التالي."---استمر الحفل.سولارا، ابنة الحداد غور—فتاة في الخامسة عشرة، نحيلة كغصن زيتون، بعينين خضراوين كبيرتين فيهما ذكاء وحياء في آنٍ واحد—مدت يديها فارتجفت الشظية. شعرها الأسود المجدول في ضفيرة واحدة طويلة تصل إلى خصرها كان يتحرك مع أنفاسها. ثوبها البني البسيط كان نقيضًا لبهرجة داني، لكنها وضعت زهرة صحراوية صفراء خلف أذنها، وكأنها تتحدى قسوة المكان. يداها، النحيلتان، ارتجفتا أولاً، لكنهما ما لبثتا أن ثبتتا. ارتجفت الشظية معهما، ثم توهجت بضوء ذهبي دافئ كأن شمسًا صغيرة وُلدت بين كفيها."الشعلة الخالدة!" صاحت ميرا، وفي صوتها دفء نادر. "المسار الأول، المستوى صفر. ستصبحين عظيمة، يا بنيتي."بكت سولارا. أمها احتضنتها. القرية صفقت. كان الحداد غور—رجل ضخم في الثامنة والأربعين، بذراعين كجذعي شجرتين، ووجه صامت قلما يبتسم—يقف في الخلف، لكن عينيه كانتا تلمعان.كيرِن لاحظ ذلك من طرف عينه وهو يعدل فتيلة شمعة. ابتسم ابتسامة صغيرة. سولارا تستحق هذا. كانت الوحيدة التي تسأل عنه في أيام مرضه. الوحيدة التي لا يهمها إن كان "صفرًا".داني تقدم. مد يديه المنتفختين، المليئتين بالخواتم. الشظية توهجت بضوء رمادي صلب."الدرع الأبدي،" أعلنت ميرا. "المسار الحادي عشر. طريق الحماية.""طريق الاختباء خلف جدران،" همس كيرِن لنفسه وهو يعدل فتيلة أخرى. "مناسب."طفل رابع نال "النسيج الصامت". خامس نال "العمق الهادر" بمستوى منخفض. سادس لم ينل شيئًا—لكنه كان في العاشرة فقط، وميرا طمأنته بصوتها الخشن: "بعض الأرواح تنضج متأخرة. عد العام القادم." لم تقل عنه "صفر". لم تنبذه.عند الغروب، كان الحفل قد انتهى. سبعة عشر طفلاً. ستة عشر حلمًا تحقق. وحلم واحد...كانت العائلة الوحيدة التي لم تصفّق له هي العائلة التي لم توجد أصلًا.---جلس كيرِن على حافة الجرف المطل على بحر الرمال. تحت قدميه، كانت الصحراء تمتد كبحر من الذهب المحروق، تموج في الضوء الأخير. كان يجلس وحده، ساقاه متدليتين، يراقب العاصفة الرملية القادمة من الشرق. كانت تبدو كجدار من الغضب الأصفر يبتلع السماء. كان يحب مراقبة العواصف منذ صغره. فيها عنف. فيها صوت. فيها شيء حي لا يطلب الإذن.رفع يده دون وعي. الأسورة كانت ما تزال باردة حول معصمه. قطعة حديد صدئة كما بدت للمسنة ميرا... لكن لونها لم يكن صدأً عاديًا. كان لونًا بين الرمادي والفضي، وكأن المعدن نفسه يحاول أن يختفي. لا يلمع، بل يمتص الضوء."كنت أعرف أني سأجدك هنا."التفت. ميرا. تقف خلفه، تتكئ على عصاها. لم يسمع خطواتها. أبدًا لم يسمع خطواتها. كانت المسنّة، رغم ثقلها وثوبها الأسود الطويل، تتحرك كشبح."أتعرفين،" قال كيرِن عائدًا بعينيه إلى الأفق، "إذا استمر هذا التقليد، سأصبح أفضل مشعل شموع في تاريخ القرى. يمكنني أن أفتح متجرًا. 'شموع كيرِن: نطفئها لتشتعلوا.'"لم ترد. جلست بجانبه—ببطء، بخشخشة عظام شيخوخة، متكئة على عصاها. أشارت بعصاها إلى الأسورة."هذه كانت لجدتك."تجمد كيرِن. لم يتحدث أحد عن جدته هكذا—بشكل مباشر، كإنسانة لا كأسطورة. كان اسمها يُستخدم كتعويذة، لا كذاكرة."وماذا كانت؟" سأل أخيرًا، صوته أقسى مما أراد. "صفرًا مثلي؟ امرأة بلا مسار؟"ضحكت ميرا. كان ضحكًا دافئًا، مختلفًا عن صوتها الخشن المعتاد. ضحكة فيها ذاكرة. أظهرت أسنانًا متآكلة، لكن عينيها كانتا شابتين للحظة."إليارا؟" قالت. "لا يا بني. جدتك... كانت عاصفة.""ماذا يعني هذا؟""يعني أنها عندما دخلت غرفة، كانت الشموع تنطفئ أو تشتعل... حسب مزاجها. يعني أنها في يوم زفافها، أوقفت عاصفة رملية بيديها العاريتين—هاتين اليدين،" أشارت إلى يديه، "يداها كانتا تشبهان يديك. يعني أن 'حكام' هذا العالم عرفوا اسمها."كان كيرِن يحدق فيها. لم يسمع هذا من قبل. لا شيء منه. كل ما سمعه كان: "لا تلمسه، إنه حفيد إليارا." لم يسمع أبدًا: "أنت تحمل شيئًا منها.""كيف ماتت؟"تلاشى الدفء من عيني ميرا. نظرت إلى الأفق. إلى العاصفة."لم يخبرونا أنها ماتت. قالوا فقط... إنها 'دخلت في صمت'.""من قال؟""رجال أركاديوم. كهنة 'النظام'. جاؤوا في ليلة، وتحدثوا معها، وفي الصباح... اختفت. قالوا لنا: 'لا تبحثوا. لقد دخلت في صمت.'"نهضت. وضعت يدها المعروقة على كتفه."ضع الأسورة. ربما... عندما تهمس العاصفة باسمك، ستعرف.""أي اسم؟ ليس لدي مسار. أنا...""اسكت."سكت."تسمعني يا كيرِن." لم يكن هذا سؤالاً. "أنت لست صفرًا. الصفر لا يطفئ شمعة واحدة من سبع وثلاثين. الصفر لا يرث أسورة من معدن لا يعرفه حكماء أركاديوم. الصفر..." توقفت. نظرت إلى العاصفة. "...لا يخيف العواصف."ثم ابتعدت. خطوات بطيئة. عصا تطرق الحجر."ميرا!" ناداها. "ماذا أخاف العواصف؟"لكنها كانت قد اختفت في الظلام.---وضع كيرِن الأسورة وهو يشتم بصوت منخفض."عظيم. امرأة عجوز تتكلم بالألغاز. عاصفة تقترب. وأنا..." نظر إلى الأسورة. "...أرتدي قطعة حديد صدئة كأنها تاج ملك."لكنه لم ينزعها.جلس هناك، ساقاه متدليتين، يراقب العاصفة وهي تقترب. كانت أقرب الآن. كان يسمعها—ليس فقط هدير الريح، بل همسًا. كلمات. أسماء. أشياء لا تُقال بلغة البشر. الريح تحمل رائحة التراب القديم، رائحة شيء مدفون منذ دهور.أغلق عينيه.وفجأة، شعر بشيء لم يشعر به من قبل. الأسورة... تجمدت. بردت حتى كادت تحرق جلده. كأنها امتصت حرارة جسده كله."إليارا..."فتح عينيه ببطء.الهمس لم يكن في أذنيه. كان في رأسه. في عظامه. في ذلك الفراغ الذي أخبروه أنه لعنته. كان صوتًا لا يشبه صوت الريح. صوتًا... عرف اسم جدته."إليارا... عادت..."نهض واقفًا، بطيئًا. العاصفة على بعد دقائق. الرمال تتطاير في الهواء كإبر صغيرة. السماء تظلم. والقرية خلفه، لا تدري.والأسورة في يده... كانت تتوهج. ضوء فضي خافت، كلون الدخان الذي تصاعد من الشمعة السابعة والثلاثين. ضوء لا ينير ما حوله، بل يبدو كأنه يضيء شيئًا داخل كيرِن وحده.وقفت شعيرات ذراعه.همست الريح باسمه لأول مرة، بصوت لم يكن ريحًا ولا بشرًا ولا شيئًا يعرفه:"كيرِن... يا وعاء الفراغ... لقد بدأنا."نظر إلى العاصفة. إلى الجدار الأصفر الذي يبتلع الأفق. شعر بشيء يتحرك في صدره. لم يكن أملًا. لم يكن خوفًا. كان شيئًا بينهما. شيئًا بلا اسم.مثل اسمه. مثل مساره. مثل كل شيء فيه.---[نهاية الفصل الأول]

e02fb206e6ff6a66شمس الروايات633d94788aa16c5add0ce420de968349

92882ee2873c8370شمس الروايات179766946667edac186f22f67fe395ad