aab5f89e9004a031شمس الروايات75212555ef8089eee7c4ff41ab77cc68
سفر همس الفراغالفصل الثالث: خريطة إلى لا مكان---عاد كيرِن إلى القرية والجثة في ذهنه، والخريطة في جيبه، والأسورة المتوهجة حول معصمه كأنها شيء حي يتنفس.كانت قرية الأثل بعد العاصفة كامرأة نجت من عنف زوجها—واقفة، لكن مرتبكة. أسوار طينية مهدومة جزئيًا. سعف نخل مبعثر في الأزقة كجثث طيور. رمال في كل مكان—على العتبات، في النوافذ، في حناجر الأطفال الذين يسعلون. كان الهواء طعمه كالتراب والحديد. رائحة شيء احترق. رائحة شيء مات."سولارا،" قال كيرِن وهو يتوقف عند طرف الساحة، "اذهبي إلى أمك. العاصفة انتهت.""لكن...""اذهبي."نظرت إليه بتلك العينين الخضراوين اللتين صارتا ترَيانه مختلفًا منذ دقائق. أرادت أن تقول شيئًا. لم تقله. أومأت برأسها، ضفيرتها الطويلة تهتز، ثم ركضت نحو بيت الحداد غور.بقي كيرِن وحده في ظلام ما بعد العاصفة. رفع يده. الأسورة كانت توهجها يخبو الآن، يعود إلى ذلك الرمادي الباهت الذي لا يلفت النظر. كأنها تختبئ. كأنها تعرف متى تتوهج ومتى تصمت."ما أنتِ؟" همس لها.لم تجبه. لم يعد يسمع همسات. فقط الريح العادية. ريح الصحراء المألوفة.تذكر الخريطة. أدخل يده في جيبه. الجلد كان باردًا. أملس. قديمًا جدًا لدرجة أنه صار ناعمًا كجلد رضيع. أخرجها. تحت ضوء القمر الذي بدأ يظهر من خلف الغيوم المنهكة، رأى المدينة المرسومة. رأى الدائرة ذات السبع والثلاثين نقطة. رأى الفراغ مكان النقطة السابعة والثلاثين."غرفة الهمس الأولى،" قرأ بصوت مسموع."ماذا تقول؟"جفل. استدار.كان داني يقف خلفه. لم يسمعه يقترب. داني السمين، داني المتنمر، داني الذي كان يرتدي قميصه الحريري الأزرق الذي مزقته العاصفة الآن، واقفًا بوجهه الوردي المتسخ، عيناه الصغيرتان مركزتان—لا على وجه كيرِن، بل على الخريطة في يده."لا شيء،" قال كيرِن، وطيّ الخريطة بسرعة."لا شيء؟" خطا داني خطوة أقرب. "أبي يبحث عن 'لا شيء' منذ ساعة. تاجر من أركاديوم اختفى في العاصفة. كان يحمل 'لا شيء' ثمينًا جدًا."تجمد كيرِن. الجثة. الجثة التي تركها على المنحدر."وماذا يهمني تاجرك؟""لا أعرف،" ابتسم داني. كان ابتسامته تلك—ابتسامة طفل يمسك ذبابة تحت كوب. "لكن أبي يقول إن كل من كان خارج القرية أثناء العاصفة... يجب أن يُسأل."تقدم خطوة أخرى. كان أقرب الآن. نظر إلى يد كيرِن—إلى الأسورة."ما هذه؟""قطعة حديد.""لا تلمع كالحديد.""أنت خبير في المعادن الآن؟" قال كيرِن، صوته ساخرًا. "أم خبير في كل شيء إلا في ما ينفع؟"احمرّ وجه داني. "أنت... أنت صفر! لا يحق لك...""لا يحق لي ماذا؟ أن أتنفس؟ أن أمشي؟ أن أجد قطعة حديد صدئة فأضعها في معصمي؟" رفع كيرِن يده، أظهر الأسورة. "تفضل. خذها. اسرقها. أضفها إلى خواتمك الرخيصة."تردد داني. نظر إلى الأسورة. كانت تبدو الآن قطعة حديد صدئة. لا أكثر. مد يده... ثم سحبها."سيعرف أبي،" قال. "سيعرف من أخذ الخريطة.""أية خريطة؟"لكن داني كان قد استدار وابتعد، خطواته الثقيلة تثير سحبًا صغيرة من الغبار.---لم ينتظر كيرِن الصباح.في الظلام، عاد إلى المنحدر. الجثة ما تزال هناك، مدفونة جزئيًا تحت رمال جديدة. جثم بجانبها. قلبها. وجه الرجل كان شاحبًا، لكن ملامحه لم تكن ملامح تاجر عادي. كان هناك وشم على رقبته—دائرة، بداخلها سبع وثلاثون نقطة. نفس رسم الخريطة. نفس رسم معبد السبّاقون."من كنتَ؟" همس كيرِن. "ولماذا متَّ وبيدك خريطة إلى... إليّ؟"لم تجبه الجثة.بحث في ثيابها. في جيب داخلي، وجد شيئًا آخر. كيسًا صغيرًا من الجلد. فتحه. لم تكن نقودًا. كانت... شظية. بلورة صغيرة بحجم ظفر الإبهام. لكنها لم تكن زرقاء كشظايا الاختبار. كانت رمادية. بلون الأسورة. بلون الدخان الذي تصاعد من الشمعة السابعة والثلاثين."شظية أصل،" همس. الكلمة خرجت من فمه قبل أن يفكر فيها.من أين عرف هذا الاسم؟وضع الشظية في جيبه. نهض. نظر إلى الجثة للمرة الأخيرة."سأدفنك،" قال. "لكن ليس الآن. الآن... عليّ أن أعرف."ثم ركض. لا إلى القرية، بل بعيدًا عنها. إلى الصحراء. حيث رسمت الخريطة مدينتها المدفونة. حيث "غرفة الهمس الأولى". حيث وعدته الخريطة أن كل شيء بدأ... وحيث سينتهي.خلفه، في القرية، أشعل التاجر كورفين مصباحًا. كان يستعد لاستجواب كل من كان خارج بيته أثناء العاصفة. وكان داني قد أخبره أن كيرِن كان هناك.---استغرق النزول إلى الكهف ساعة.كان مدخله مخفيًا بين صخرتين عملاقتين تشبهان أنياب حيوان ميت. لولا الخريطة، لما وجده أحد. كان ضيقًا—اضطر كيرِن أن يزحف في آخره—ثم اتسع فجأة. صار ممرًا. صار درجًا منحوتًا في الصخر. درجًا لم تصنعه يد بشرية—أو هكذا شعر.نزل.كلما نزل، بردت الأسورة. لم تعد باردة فقط. صارت... ثقيلة. كأنها تزداد وزنًا. كأن شيئًا في الأسفل يناديها."أعرف،" تمتم. "أنا قادم."في أسفل الدرج، وجد الغرفة.كانت دائرية. ضخمة. سقفها مقبب كداخل جمجمة. على جدرانها، محاريب—سبعة وثلاثون محرابًا. في كل محراب، تمثال صغير. ستة وثلاثون تمثالاً كانوا واضحين: رجل، امرأة، شيء بلا شكل، طائر، سمكة، عملاق... لكن التمثال السابع والثلاثين كان ممسوحًا. متآكلاً. كأن شيئًا ما أزاله من الوجود.وفي وسط الغرفة، مذبح. وعلى المذبح، كتاب.اقترب كيرِن ببطء. كان الكتاب مفتوحًا. صفحاته ليست ورقًا، بل معدنًا رقيقًا. محفور عليه—لا بالحبر، بل بشيء لامع كالضوء. نظر إلى الصفحة الأولى. قرأ:"في البدء كان النبض. واحدًا. كاملاً. ثم انشطر إلى سبعة وثلاثين، لكي يعرف نفسه. لكن الشظية السابعة والثلاثين... لم تكن شظية. كانت المرآة. كانت الفراغ الذي يرى فيه النبض وجهه. وبدونها، كل شيء... لا يرى."قلب الصفحة."نحن السبّاقون. بلغنا الاثني عشر كلنا. حاولنا الرنين الأعظم. لكننا نسينا الفراغ. نسينا أن الصمت... جزء من النبض. فأتانا السكون. لم يبقَ منا إلا هذا."ثم، في الصفحة الأخيرة، كُتب سطر واحد:"حامل الأسورة. حفيد العاصفة. وعاء الفراغ. إن تقرأ هذا، فاعلم أن السكون عاد. وأنت... أنت المفتاح."خلفه، صوت خطوات."كنت أعرف أني سأجدك هنا."استدار كيرِن. في مدخل الغرفة، لم يكن التاجر كورفين. لم يكن داني. لم يكن أحدًا من القرية.كان البروفيسور ثيو غرينغيل، القزم الذي سيغير كل شيء.---[نهاية الفصل الثالث]
2f11cdc00abf00f4شمس الروايات73f1ef0b8aa63583c23b2549859bd4f2
1cd7bf2ac0dbc552شمس الرواياتce6a010bb6f276b4c4ceef4044cd51dc