لماذا أنا موجود ؟

اسئلة بلا أجوبة

5e7f107366984848شمس الروايات41d3085c57c511f6db3c3e1d913c5a03

الفصل الثامن / أسئلة بلا أجوبةظلّ آدم غارقًا في بحر أفكاره لعدة دقائق متواصلة. كانت أشعة الصباح الدافئة تتسلل بهدوء عبر نوافذ بيت العلاج الخشبية، بينما انتشرت رائحة الأعشاب الطبية النادرة في أرجاء الغرفة الصغيرة. لكن عقل آدم لم يكن متواجدًا في تلك الغرفة أصلًا؛ فكيف عاد إلى بيت العلاج بينما كان يتذكر بوضوح أنه فقد وعيه داخل كهف سيد المظلم؟ لم يكن في الكهف عندما استعاد وعيه… إذًا كيف قطع كل تلك المسافة الجبلية الشاقة؟ ذلك السؤال وحده كان كافيًا لإرباكه وزراعة الشك في ذهنه.— أيها المشاغب… هل كنت تسمع كلمة واحدة مما كنت أنصحك به للتو؟ قالها راي وهو يعقد ذراعيه أمام صدره وينظر إليه بانزعاج وازدارء واضح. ثم تابع بعصبية خفيفة وهو يقلب بعض الأوراق: — المشكلة ليست بك أصلًا… بل بي أنا الأحمق الذي يضيع وقته الثمين وجهده في محاولة تعليم فتى متهور مثلك أي شيء نافع. لكن آدم تجاهل كل تلك الملاحظات تمامًا، ورفع رأسه بسرعة قائلًا بنبرة ملحة: — كيف عدت إلى هنا بحق السماء؟تنهد راي بإرهاق شديد وهو يدلك جبهته بأصابعه: — أشعر أحيانًا أنني أتحدث مع جدار حجري صلب… ثم أكمل موضحًا أخيرًا: — صديقك الغريب الذي يعيش فوق الجبل هو من أحضرك إلى هنا بنفسه… وقد كان ذلك قبل يوم كامل تقريبًا بينما كنت أنت غائبًا عن الوعي. تغيرت ملامح آدم فورًا وازدادت حيرته: — سيد…؟ لكن كيف حملني؟ ولماذا أتى للقرية؟اقترب راي منه قليلًا قبل أن يجيب بصوت متزن: — أنت غادرت صباح الأمس تقريبًا، وبعد شروق الشمس وصلت غالبًا إلى منطقته الجبلية. أومأ آدم ببطء مسترجعًا الأحداث: — هذا صحيح… تابع راي حديثه بينما بدأ يرتب بعض القوارير الزجاجية فوق الطاولة الخشبية: — وبعد غروب الشمس، جاء صديقك إلى هنا وهو يحملك على كتفه بلا جهد… بينما كانت سلة الأعشاب الطبية معلقة على ظهره. توقف راي للحظة قبل أن يضيف بنبرة أكثر جدية واهتمام: — والأعشاب التي أحضرها كانت وفيرة ونادرة، أكثر حتى مما طلبته أنا منك.دخل آدم في دوامة أعمق من الأفكار والشكوك: "إذا كان سيد قد أعادني بنفسه… فلماذا فقدت الوعي أصلًا بعد شرب المياه؟ ولماذا ظهر أمام راي والقرية رغم أنه يفضل البقاء وحيدًا وتحذيري دائمًا؟ وماذا حدث بعد أن سقطت مغشيًا عليّ داخل الكهف؟" تزاحمت الأسئلة الشائكة داخل رأسه حتى شعر بثقل مزعج في صدره وغموض يحيط بليلتهم. لكنه سرعان ما حاول تغطية توتره، فرفع رأسه نحو راي وقال بابتسامة خبيثة: — هل تحدثتما كثيرًا طوال الليل؟رفع راي حاجبه باستغراب شديد: — لماذا تسأل عن ذلك تحديدًا؟ ضحك آدم بخفة وقال وهو يلوح بيده: — لا أستطيع تخيل كمية الملل الكئيب لو اجتمع شخصان يتصرفان كالعجائز المقعدين مثلكما! تشنج وجه راي قليلًا وتطايق، بينما أكمل آدم ضاحكًا: — لكن بصراحة… لدي فضول لمعرفة طبيعة الحديث الذي دار بينكما. تنهد راي بعمق قبل أن يقول ببرود: — دعك من تخيلاتك التافهة هذه… وأخبرني بجدية، ما طبيعة علاقتك الحقيقية بذلك الفتى المتواري عن الأنظار؟أجاب آدم ببساطة وهو يتكئ على الحائط: — إنه مجرد صديق أستعين به وقت الشدة. ظل راي صامتًا للحظات، ثم قال بصوت أخفض وهو يلقي نظرة حذرة نحو النافذة: — ألا تلاحظ شيئًا غير طبيعي أو غريبًا عندما تكون بقربه في الجبل؟ رمش آدم بدهشة واستغراب، ثم قال بخيبة أمل: — لا تقل لي إنك تصدق شائعات سكان القرية الخائفين أيضًا… ثم أكمل سريعًا: — صحيح أنه شخص بارد للغاية، ويعيش وحيدًا في التيارات الجبلية، وعيناه مخيفتان قليلًا… وفوق ذلك يتكلم أحيانًا بحكم غريبة وغير مفهومة مثلك تمامًا…توقف آدم للحظة قبل أن يبتسم بثقة: — لكنه ليس شخصًا سيئًا أو شريرًا كما يظن الناس عنه. وأشار إلى نفسه بفخر طفولي: — والدليل على ذلك؟ لقد ساعدني عندما كنت في ورطة حقيقية، وجمع كل تلك الأعشاب القيمة من أجلي ومن أجل ريك. ثم أضاف بثقة أكبر وهو يضحك: — بل سأخبرك بشيء أهم؛ طعامه وحساؤه لذيذان جدًا، لذلك أستبعد تمامًا أن يكون شخصًا خبيثًا!نظر إليه راي بصمت طويل وعميق، وكانت نظراته تحمل المزيج من القلق والريبة… وكأنه يريد تحذيره من شيء أكبر، لكنه لا يعرف كيف يشرحه لشاب في مثل عمره واندفاعه. وفي النهاية قال ناصحًا: — ابتعد عنه وتوخ الحذر قدر الإمكان… هذا كل ما سأطلبه منك الآن. ثم عاد لتحضير الإفطار وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة تحت أنفاسه.وبعد دقائق، بدأت رائحة الطعام البسيط تملأ الغرفة الدفيئة. كان الحساء الساخن يرسل البخار في الهواء، والخبز ما يزال يحتفظ بحرارة المدفأة التي خُبز عليها. جلس الاثنان يتناولان الطعام بصمت نسبي، بينما كانت أصوات الرياح الخفيفة تُسمع من الخارج. وحين انتهى آدم من طعامه وشبع، قال لأول مرة بجدية واضحة: — شكرًا لك على الطعام وعلى العناية بريك. توقف راي للحظة، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة خفيفة بالكاد ظهرت على شفتيه، إذ كانت تلك أول مرة تقريبًا يتحدث معه آدم باحترام حقيقي ودون مشاغبة.وبعد فترة قصيرة من إزاحة الأواني، قال راي: — بالمناسبة… لقد جاء لزيارتك والتأكد من استيقاظك عدة أشخاص خلال اليومين الماضيين. رفع آدم رأسه باهتمام متزايد: — من أتى لزيارتي؟ أجاب راي: — المربية أري… ولوسي… وطفل صغير مشاكس آخر. تجمد آدم فورًا في مكانه وشعر وكأن قلبه توقف للحظات من الفزع، ثم نهض فجأة وهو يصرخ: — لقد أنقذت حياتي بحديثك هذا! كنت قد نسيت أمر المربية وتلك المجنونة تمامًا!ثم تنهد براحة وأضاف: — الآن فقط يمكنني القول إن علاجك لي قد نجح بالكامل. بدأ بعدها يرتب أفكاره ورسائله بسرعة؛ فعليه أولًا أن يطمئن على حالة ريك النهائية… ثم غدًا سيعود بزيارة حذرة إلى سيد لمعرفة ما حدث بالفعل داخل الكهف وكيف غاب عن الوعي. نهض آدم مستعدًا للمغادرة بخطوات حثيثة، بينما كان راي ينظف الأواني الخشبية قرب النافذة.وفجأة قال راي دون أن يلتفت إليه: — بما أنك أصبحت بكامل صحتك وعافيتك… تعال وساعدني في تنظيف أرجاء البيت. استدار راي نحوه بجدية… ليجد آدم يخرج لسانه بسخرية وطيش قبل أن يركض فورًا نحو الباب الخارجي ويهرب بسرعة! ارتفعت عروق جبين راي بغضب وهو يصرخ خلفه: — في يوم من الأيام سأجعلك تدفع ثمن هذه الحماقة والوقاحة أيها الوغد الصغير!لكن آدم تجاهل صراخه تمامًا وواصل ركضه في الأزقة الخشبية، بل بدأ يفكر طوال الطريق بشيء آخر: "طعام راي سيئ للغاية مقارنة بحساء سيد… لو لم أكن جائعًا لما أكلته أصلًا." وبعد فترة قصيرة من الركض، وصل أخيرًا إلى باحة دار الأيتام. كان بيت العلاج يقع قرب أطراف القرية الهادئة، لذلك لم تستغرق رحلته وقتًا طويلًا عبر الطرقات. كانت السماء صافية وبرّاقة، بينما انعكست أشعة الشمس على أسطح المنازل القديمة.لكن فور اقترابه من المدخل الرئيسي، سمع صوتًا حادًا وباردًا خلفه يقول: — لقد عاد خادمي المستقبلي أخيرًا للعمل. انزعج آدم فورًا وتوترت أعصابه من كلمة "خادم"، فاستدار بعصبية وهو يصرخ: — هل تجرؤ على إعادتها مجددًا؟! لكن ما إن رأى صاحبة الصوت والوقفة… حتى تجمد في مكانه كالصنم؛ كانت لوسي تقف خلفه بثبات، وهي تحمل عصاها الخشبية الضخمة فوق كتفها وتنظر إليه بعينين باردتين مليئتين بالتهديد الصريح، وفي تلك اللحظة بالذات… بدأ آدم يلعن حظه السيئ وطيشه من جديد.

c9850ccd5f9b81c9شمس الروايات8f42d808fbc6e2bbc784d49f3c275b38

bce91b86a9269d19شمس الرواياتe61de04467acda05c19f95706f540da0