13ff5f88ff75b71eشمس الروايات309ccffea8550e5cce5cbf44a4477ec3
الفصل السادس / شرط سيدتوقّف آدم أمام مدخل الكهف الدافئ، ثم رمش ببطء واستغراب شديد. شرط…؟ ثم أضاف وهو يضع يديه على خصره ويحمل ملامح التعجب: — منذ متى أصبحتَ تاجرًا جشعًا تبحث عن المقابل يا سيد؟ لم تتغير ملامح سيد الهادئة، بل بقي واقفًا أمام العتبة بثبات، بينما تحركت خصلات شعره الأسود مع الرياح الباردة القادمة من القمة. رد بهدوء: — منذ أن بدأتَ تأتي إليّ صامتاً كلما وقعتَ في مشكلة جديدة.تنهد آدم بتعب ورفع كتفيه: — حسنًا… ما هذا الشرط العظيم الذي تريده؟ نظر سيد إليه لثوانٍ بعينين حادتين قبل أن يقول: — شرطي الوحيد هو أن تتوقف عن الجري المتهور داخل الغابات ليلًا وكأنك تتمنى أن تأكلك الوحوش المفترسة. رفع آدم إصبعه فورًا محتجاً: — أعترض على هذا الوصف! رد سيد بحزم: — رُفض اعتراضك. قال آدم: — حتى قبل أن أشرح ظروفي؟ أجابه سيد: — خصوصًا قبل أن تشرح.ساد الصمت بينهما للحظة… ثم انفجر آدم ضاحكًا وهو يشعر بالارتياح وقال: — أحياناً أتساءل هل أنت بنفس عمري حقًا أم أنك رجل عجوز آخر؟ دخل آدم خلفه بسرعة متسللاً إلى الممر الحجري، ثم بدأ يتفحص الكهف كعادته الفضولية. ورغم أنه زاره مرات عديدة سابقًا، إلا أنه لم يفهم يومًا كيف يعيش سيد هنا وحده دون أن يشعر بالملل والوحدة. كان الكهف واسعًا بشكل غريب، وفي داخله رفوف حجرية نُحتت بدقة ووضعت فوقها كتب قديمة، وأدوات معدنية، وأكياس أعشاب معلقة.وفي الزاوية البعيدة اشتعلت نار هادئة تنبعث منها رائحة أعشاب زكية وغريبة. اقترب آدم منها بحذر محاولاً استنشاقها وسأل: — ما هذه الرائحة الزكية…؟ أجاب سيد بينما كان يبحث في إحدى الصناديق الخشبية بين الأكياس: — أعشاب نادرة تساعد على تهدئة الألم الشديد. ثم أضاف دون أن ينظر إليه: — ريك سيتألم كثيرًا عندما يستيقظ من غيبوبته. اختفت الابتسامة من وجه آدم تدريجيًا، وعاد ذلك الشعور الثقيل والذنب ليعتصر صدره مجددًا.لاحظ سيد الصمت الفجائي، فتوقف عن البحث قليلًا ثم قال بصوت متزن: — لو كان ريك مكانك في تلك الليلة… لفعل الشيء نفسه تماماً وخرج بحثاً عنك. خفض آدم رأس بصمت وأردف بخفوت: — لكن السبب في كل ما حدث كان أنا وجنوني… أخرج سيد عدة أعشاب ووضعها فوق الطاولة الحجرية أمام آدم وقال: — السبب الحقيقي هو الدب الكاسر، لا أنت. ثم تابع بهدوء: — هذا العالم قاسٍ ولا يحتاج سببًا عظيمًا حتى يؤذي الناس.بقي آدم صامتًا للحظات طويلة يستمع لكلمات سيد الحكيمة، لكنه لم يعرف كيف يرد عليها. وفجأة، رمى سيد كيسًا قماشيًا صغيرًا نحوه في الهواء. التقطه آدم بسرعة، ثم فتحه بدهشة واستغراب: — هذه… كل الأعشاب المطلوبة التي طلبها راي؟! أومأ سيد برأسه بهدوء. اتسعت عينا آدم بحماس بالغ وقال: — أنت رائع ومذهل فعلًا! ثم توقف فجأة، وضاقت عيناه بشك وتساؤل: — لحظة واحدة… إذا كانت الأعشاب بحوزتك منذ البداية، لماذا جعلتني أصعد كل هذا الطريق الشاق للقمة؟جلس سيد قرب النار المشتعلة وأجاب بلا مبالاة: — لأنك كنت ستعود للركض في الغابة المظلمة مجددًا حتى لو أعطيتك الأعشاب مباشرة عند المنتصف. تساءل آدم: — وما المشكلة في ذلك؟ رفع سيد نظره نحوه أخيرًا وقال بجدية: — كنت خائفًا يا آدم. تجمّد آدم في مكانه للحظة، ثم حاول الاعتراض بسرعة: — لم أكن خائفًا إطلاقاً! رد سيد: — بل كنت ترتجف منذ أن وصلت إلى أسفل الجبل.فتح آدم فمه ليرد بقوة… لكنه تذكر كيف كانت يداه وركبتاه ترتجفان بوضوح بعد مطاردة الذئاب له. ضغط شفتيه بضيق وخجل، بينما ظهرت على وجه سيد ابتسامة خفيفة بالكاد تُلاحظ: — لا بأس بالخوف أبدًا… المشكلة ليست بالخوف ذاته، بل بما تفعله بسببه. نظر آدم إليه باستغراب، بينما أعاد سيد نظره إلى جمر النار: — بعض الناس يهربون عندما يخافون… وبعضهم يؤذون الآخرين من الهلع… وآخرون ينهارون تماماً. ثم أكمل بصوت دافئ: — لكن هناك من يتحرك ويتصرف رغم خوفه الشديد.ساد الصمت داخل الكهف الهادئ قبل أن يكمل سيد ببطء: — وهؤلاء هم الشجعان الحقيقيون. ولأول مرة منذ ليلة مواجهة الدب، شعر آدم أن قلبه وأفكاره قد هدأت قليلًا. لكن تلك اللحظة الهادئة لم تدم، إذ قام سيد من مكانه وأعطاه طبقًا ساخنًا من الحساء المطهو بالأعشاب. نظر آدم لسيد لبعض اللحظات ثم أخذ الطبق وبدأ يتناوله بشهية ولذة. أنهى آدم الطبق بالكامل وقال وهو يمسح فمه: — طعمه مذهل! لماذا لا نفتح نزلاً معاً؟أدار سيد رأسه له بجمود وقال: — ألم أخبرك من قبل بأن تفكر جيداً قبل أن تتكلم؟ تنهد آدم ثم عاود الحديث بإصرار: — إذن لماذا لا تعمل في دار الأيتام كطباخ؟ كان إلحاح آدم بسب كرهه الشديد لطعام الميتم المكرر والسيئ، وإعجابه البالغ بطبخ سيد. لم يجبه سيد، بل وضع بعض الحطب على النار وقال: — سوف أذهب خارج الكهف قليلاً. تساءل آدم عن السبب، فأخبره سيد بأن حطب التدفئة يكاد ينفد.وقف آدم بحماس وقال: — هل تريد مساعدة؟ اعتبرها ردًا للدين! رفض سيد الأمر وأمره بأن يلازم مكانه ولا يتحرك حتى يعود. قال آدم: — حسناً، لكن لا تتأخر. خرج سيد بخطوات ثابتة ومستقيمة ويداه كالعادة خلف ظهره. وبعد فترة وجيزة من الانتظار، صرخ آدم بصوت عالٍ: — ملل شديد! قام بتعب وبدأ يتجول بين جنبات الكهف، وأثناء تجوله لاحظ أن الهواء القادم من الأعماق كان بارداً بشكل غريب.زاد فضوله وتقدم ببطء عبر الممر المظلم، ليجد ينبوع مياه عذبة ينبع من جدار الكهف. ابتسم آدم وقال: — لحسن الحظ! أصلًا كنت أشعر بالعطش. انحنى آدم وجلس على ركبتيه، ومد يديه في الماء البارد وشرب منه ثم بلل وجهه. لكن ورغم شربه، زاد عطشه وجفافه أكثر! وبدأ يمتلكه إحساس بدوار شديد والغثيان، كأن الأرض تتحرك أسفله. حاول آدم الوقوف لكنه بدأ يترنح يميناً ويساراً، ثم تعثر وسقط بقوة على الأرض الحجرية! دوا صوت سقوطه في كامل الكهف، وظل ثابتاً بمكانه دون حراك، بينما عاد الهدوء تماماً ولم يعد يُسمع سوى صوت خرير الينبوع.
ca5e7f634b6dd51fشمس الرواياتcb47692b481979356071fcb095f0751f
cd6efed6dbc84d05شمس الرواياتd2f8165cb0b4ed0210d2e838b2abb7e0