0ae5c051d43ebdffشمس الروايات3a7cbbbf4f79524cd9fca787cc25510d
---صمت ثقيل خيّم على القاعة الملكية،وكأن الهواء نفسه قد تجمّد فوق رؤوس الجالسين.أومأت إيرين برأسها في هدوء — لا خضوعًا، بل استسلامًا لواقعٍ لم تختره يومًا.لم تحاول الكلام، ولا حتى النظر في وجه والدها. كانت تعرف أن الكلمات هنا لا تغيّر شيئًا.ظلّ الجميع في أماكنهم، متجمّدين، يترقّبون أن يتكلم الملك... أو بالأحرى، أن يأذن لهم بسماع ما سيقوله.لم يتكلم الملك آركسون فورًا.رفع كأسه ببطء، لم يشرب، بل اكتفى بالتحديق في سطح السائل المتحرك بداخله، ثم أعاده برفق إلى الطاولة.رنّة الزجاج على الخشب كانت أعلى من اللازم في هذا الصمت المطبق.وأخيرًا، قال بصوت منخفض وواضح وبطيء:"سيُقام لها حفل تقديم رسمي."جملة واحدة.دون شرح. دون تبرير.كأنها حكم قاضٍ لا يُطعن فيه.رفعت النساء المحيطات بالطاولة أنظارهن في الحال — سريعًا، بتوتر — لكن لم تتجرأ واحدة على التفوّه بكلمة.فتحت الملكة الأولى، إلفيرا، فمها لتقول شيئًا،لكن نظرة واحدة من الملك كانت كافية.مجرد نظرة. لا غضب فيها، لكن ثقلها وحده جعل عروق رقبتها ترتجف.أغلقت فمها من جديد، وكأنها لم تحاول النطق أصلًا.تابع الملك، بنفس البرودة الهادئة:"سيعرفها الناس بعد أسبوع."ثم رمق رينولد وإليان بنظرة خاطفة حادة — كأنها نصل، شقّ كيانهما دون كلمة.بعدها، رفع عينيه ببطء ونظر إلى إيرين مباشرة — للمرة الأولى.تجمّدت.ثم قال، دون أن يرمش:"هذا يكفي."وانتهى الكلام.وقف ومضى،من دون أن يفسّر، دون أن يفتح بابًا للأسئلة.لم يكن يبحث عن موافقة، ولا قبول... فقط أصدر أوامره ورحل، كما يفعل دائمًا.---بعد خروجه من القاعة،كان وكأن الهواء نفسه قد تُرك وراءه خاليًا.وقف الجميع لبضع ثوانٍ، لا أحد يجرؤ أن يكون أول من يتحرك.عدّلت الملكة إلفيرا وشاحها ببطء، ثم نظرت إلى إيرين نظرة جانبية... دون أن تنطق.رينولد كان أول من انسحب برفقة زوجته ليورا، يديه خلف ظهره، وهي تهمس له بشيء لم يسمعه أحد.لم يجبها. فقط تابع سيره مستقيمًا.ثم بدأ الجميع بالانصراف واحدًا تلو الآخر.ما عدا...أديلين، التي بقيت في مكانها.راحت تراقب إيرين عن بُعد، برأس مائل قليلًا، وابتسامة نصفها غامض.لا ودّ فيها، ولا عداء... بل شيء أقرب إلى فضولٍ خطير.كأنها تنظر إلى دمية نادرة وصلت أخيرًا إلى القصر.أما سيلينا...فلم تتحرّك.بقيت واقفة، نظراتها مشتعلة متّجهة نحو إيرين — سهام من نار بلا صوت.ثم قالت بصوت خافت، مشحون:"إن كنتِ تظنين أن الجلوس على هذه الطاولة يعني أنكِ صرتِ منّا... فأنتِ أحمق مما تبدين."إيرين لم ترد.لم تلتفت.بقيت جالسة، يداها مطبقتان في حجرها، تنظر إلى الفراغ الذي خرج منه والدها قبل لحظات.تقدّمت سيلينا خطوة، لكن دون اقتراب حقيقي.ثم تابعت:"كلنا نعرف لماذا اختاركِ الآن. لسنا أغبياء."واستدارت، دون أن تنتظر أي رد.خطواتها المرصّعة بالجواهر تطرق الأرض كإعلان رافض.ثم... خلت القاعة تمامًا.وبقيت إيرين وحدها...تحت ضوء الثريات الكريستالية،تشعر — للمرة الأولى — أن الجميع نظر إليها...لكن لا أحد رآها حقًا.---عندما وصلت إلى غرفتها،كانت خطواتها خفيفة، بالكاد تُسمع.فتح الحارس الباب دون أن ينبس بكلمة، وأغلقه برفق خلفها،كأن القصر بأكمله يعلم أنها لا يجب أن تُقاطع الآن دخلت جناحهانزعت حذاءها بهدوء، وسارت فوق الأرضية الرخامية الباردة،ثم توقّفت فجأة...نظرت إلى الطاولة الصغيرة في الزاوية،حيث كانت قد أخفت أهم ورقة كتبتها في حياتها.اقتربت ببطء، وسحبت الدرج العلوي.وفي الظلال... كانت هناك.مطوية بدقة.أخرجتها برفق، وجلست، وبسطتها أمامها.لم تكن مجرد ورقة.كانت الخطة.قائمة قصيرة، محسوبة بعناية.أسماء رجال اختارتهم بعناية، كلٌّ منهم يحمل صفة تجعل منه "الزوج المثالي"... لخطة لا يعلم بها أحد في المملكة.رجل متهوّر...آخر يعيش في الخارج...وثالث لا يهتم بالسياسة أو الحفلات...كلهم كانوا دروعًا — غطاء يسمح لها بالحركة، بالمراقبة، بجمع الحقائق، ثم الضرب.لكن الآن؟لم يعد الأمر بيدها.الملك... والدها... هو من سيختار.سيقرّر الرجل الذي ستتزوجه،ويضعها كجائزة فوق رقعة الشطرنج السياسية.نظرت مجددًا إلى الورقة.أصبحت أسماؤهم بلا فائدة.خطتها تحطّمت دون أن تُمنح حتى فرصة واحدة للمقاومة.ولا واحد منهم هو "الرجل الفارغ" الذي كانت تحتاجه كغطاء لانتقامها.كانت قد تخيّلت كل شيء:أن تتزوج رجلًا لا يهتم، تتحرك بحرية، تراقب، تخطط، وتنتقم — دون أن يشك بها أحد.لكن الآن؟شدّت فكّيها،طوت الورقة، ورمتها بقوة نحو المدفأة.لكنها لم تشتعل — بل ارتطمت بالحافة وسقطت عند قدميها.ومع ذلك، إحساس الخطة المحطّمة... كان يحرقها أكثر من اللهب.تمتمت في داخلها، بنصف مرارة، نصف يأس:"يبدو أن القدر أصبح من أعدائي أيضًا."الآن، لم يعد أمامها سوى أن تعيد ترتيب خطتها، بناءً على الزواج القادم.بعد أن أخذت حمّامًا طويلًا مع خادمتين،ذهبت إيرين إلى السرير مباشرة.---كانت تلك الليلة... أطول مما توقّعت.الضباب كثيف.رمادي باهت يبتلع الأرض والسماء معًا.لا صوت... سوى نبض قلب لا يُسمع.وقفت إيرين وحدها.حافية القدمين،نسمة باردة تلامس بشرتها دون أن تلمس ثوبها.الفراغ من حولها بلا رحمة.والصمت... يضغط على صدرها كيد ثقيلة.ثم... رأتها.امرأة واقفة وسط الضباب.شعرها الذهبي يتمايل ببطء في ريح لا تُرى،وفستانها الأبيض ينساب حتى الأرض بهدوء.لم تكن بحاجة أن ترى وجهها.كانت أمّها.لم تنادِها.لم تخطُ نحوها.فقط... نظرت إليها.وفي عينيها... شيء لا يوصف.مزيج من الحنان والخيانة.من الرجاء والخوف.أرادت إيرين أن تركض إليها.لكن الأرض تحت قدميها صارت ثقيلة.كأنها تمنعها، تمسك بها.ثم فجأة...ظهرت نقطة حمراء صغيرة على جانب الثوب الأبيض.ثم أخرى.وثالثة.الدم تسلّل ببطء.دون صوت. دون صرخة.حتى غمر طرف الفستان،وتحوّل الأبيض إلى قرمزي.لم تتحرك الأم.عينها بقيت ثابتة على إيرين،ترتجف بشيء لا يُفسَّر —كأنها تريد أن تقول شيئًا... لكنها ممنوعة.ثم...من خلفها، من عمق الضباب،ظهر ظل أسود طويل — بلا ملامح. ساكن. يقترب.صرخة تصاعدت داخل الحلم.لكن الفم... لم ينفتح.والدم زحف فوق الأرض،حتى لامس قدمي إيرين.مدّت الأم يدها...لكنها لم تصل إليها.وانفجر الضباب إلى نور أبيض باهر...وابتلع كل شيء.---استيقظت إيرين فجأة.شهقة حادة.عرق بارد على عنقها.أنفاس متقطعة، كأنها كانت تغرق.جلست،وضعت يدها المرتجفة على صدرها،وهمست بصوت منكسر:"انتظريني... فقط قليلًا بعد، يا أمي."---
410516d6c69d64d6شمس الروايات55b3e6b86275f5f5e148f6385238faf4
df1f9a013aa41c26شمس الرواياتdc1dba5331d1358a8db25c1c16dba23e