908d4433db4b462bشمس الرواياتfca6a3f2bfb94c94460ffedf429237a1
المجلد الأول: بداية الكارثةعدّل أوزيريس جلسته بصعوبة بالغة وهو يشخص ببصره نحو الصندوق الأصفر القابع أمامه. كان التوتر يكتم أنفاسه؛ ففي حالته الجسدية المتهالكة هذه، لو انبعث أي تهديد أو وحش أو غاز سام من جوف هذا الصندوق، فستكون تلك نهايته الحتمية بلا شك؛ إذ لم يعد يملك من أمره شيئاً، ولا حتى القدرة على الحراك أو الفرار.بعد برهة من التردد الذي فرضته غريزة البقاء، مد يده المرتعشة وفتح غطاء الصندوق.. لكن ما رآه بالداخل صدم عقله وجعله يصاب بحيرة عارمة.لم تكن المحتويات من هذا العالم البدائي الموحش؛ إذ تقبع في الداخل قارورة مياه بلاستيكية حديثة الصنع، وبجوارها بضع علب من رقائق البسكويت المجفف. وعلى الطرف الأيسر من الصندوق، رُتبت بعناية فائقة ملابس بيضاء ونظيفة، وفوقها خنجر أسود حاد بطول شبرين دون غمد. أما الشيء الأكثر إثارة للريبة، فكانت قارورة زجاجية مستديرة بحجم كف اليد، يتماوج في جوفها سائل ذو لون أرجواني داكن.تسمر أوزيريس في مكانه لثوانٍ، عاجزاً عن استيعاب ما تراه عيناه الصفراوان. لكن العطش الحارق الذي يمزق بلعومه لم يمهله للتفكير طويلاً؛ فلم يتردد للحظة واحدة وقبض بيده على قارورة المياه البلاستيكية. فتحها ويده تنتفض بعنف، ثم بدأ يجرع الماء بلهفة جنونية وكأنه لم يذق قطرة ماء طوال حياته. ومن فرط الراحة والسكينة التي سرت في جوفه المقفر، دمعت عينه اليمنى دون أن يدرك ذلك.أنزل القارورة بعد أن التهم نصفها، وتنهد بعمق مسدلاً جفونه. وحين شعر ببلل دمعته على وجنته، استعاد بروده المعتاد فوراً ومسحها بظاهر يده، متخلصاً من أي مظهر يوحي بالضعف أو الانكسار.أعاد نظره إلى الصندوق مجدداً، وهذه المرة استقرت أصابعه المرتجفة على القارورة الأرجوانية الغامضة. حدق في السائل المتماوج طويلاً وتمتم بحيرة وسخرية مريرة:«ما هذا الشيء؟ هل هو سم مرسل لإنهاء عذابي، أم أنه ترياق يائس؟».بعد تفكير عميق، قرر المجازفة؛ فليس لديه ما يخسره على أية حال، والموت يتربص به في كل مكان. بلع ريقه المتيبس، وفتح القارورة ثم تجرع السائل الأرجواني دفعة واحدة.في الثواني الأولى، لم يشعر بأي تغيير، وظن أن الأمر مجرد وهم أو شراب عادي. لكن فجأة! سقطت القارورة الفارغة من يده لترتطم بالأرض، واتسعت عيناه بذهول مرعب قبل أن يسقط على ظهره متأوهاً بألم ساحق. قبض بيده اليمنى على صدره الأيسر من جهة قلبه، بينما التوت يده اليسرى فوق بطنه التواءً غريباً.حاول الصراخ، لكن صرخاته انبعثت مكتومة ومخنوقة في حنجرته. كان يشعر بنيران مستعرة تلتهم يده اليسرى وساقه اليمنى المحطمتين، بيد أن الألم الأشد فظاعة كان يتمزق في أحشائه ونياط قلبه؛ شعر وكأن كل خلية في جسده تتفتت بالكامل وتذوب، ثم تعيد التحامها وصياغتها من جديد بطريقة وحشية!كان هذا عذاباً يفوق الاحتمال البشري.. في الخارج، كانت أصوات العصافير والطيور تملأ أرجاء الغابة معلنة بداية يوم جديد، لكن صرخة وحشية مدوية انطلقت فجأة من جوف الكهف جعلت كل شيء من حوله يصمت رعباً! كانت تلك صرخة أوزيريس التي شقت سكون الغابة بأكملها.وفي غمرة ذلك البلاء، حدث شيء غريب غير ملامحه؛ إذ بدأت عروق سوداء داكنة وضخمة تزحف بشكل مخيف من رقبته متجهة نحو فكه ووجهه. كانت تلك عروقه الجسدية التي يُفترض أن يتدفق الدم الأحمر فيها، لكنها تحولت إلى خطوط سوداء غامضة تسير في جسده وكأنها كائن حي يمتلك حياة خاصة به!بعد لحظات دهرية من الألم المبرح، همد جسده أخيراً، وبدأ صوت أنفاسه العالية المتهالكة يهدأ تدريجياً. كان مستلقياً على ظهره، يحدق في سقف الكهف الصخري وقد بسط ذراعيه إلى جانبيه. استجمع قواه ببطء، ثم استند إلى الجدار الحجري وجلس بجانب الصندوق من الجهة اليمنى.حينها.. لاحظ أوزيريس أمراً صعق عقله وألجم لسانه! لقد شُفيت يده وساقه بالكامل! لم يدرك ذلك إلا بعد أن انقشع الألم تماماً. حرك يده اليسرى يميناً ويساراً، وقبض أصابعه وبسطها؛ لم يشعر بأي وجع أو وهن، بينما سابقاً لو تجرأ على مجرد تحريكها لمشت النيران في جسده بآلام لا تطاق.أسند رأسه إلى الجدار الصخري خلفه، وارتسمت على شفتيه ابتماس خفيفة باهتة، تدل على نشوة الانتصار والسعادة بهذا الخلاص الجسدي الإعجازي.ألقى نظرة أخرى إلى داخل الصندوق، والتقط علب البسكويت المجفف، وبدأ يأكل بنهم شديد حتى شبع تماماً، مبقياً جزءاً متبقياً في العلب للمستقبل. تخلص أوزيريس بعدها من ملابس مدرسته القديمة الممزقة والمخضبة بالدماء، وارتدى الملابس الجديدة التي كانت تقبع داخل الصندوق.كان الزي يتكون من سترة بأكمام طويلة ذات ياقة عنق كبيرة وواسعة تصل إلى نصف رأسه من الخلف كقلنسوة. كان شكل السترة مميزاً للغاية؛ إذ تبطنها مساحة صفراء بالكامل من الداخل، وتزينها خطوط صفراء حادة من الخارج. وارتدى معها بنطالاً مريحاً يصل إلى كاحل قدمه، مزخرفاً بخطوط صفراء تماثل السترة.ارتدا السترة ذات الأكمام على سترته التي كان يرتديها أما البنطال قام بستبداله، لكن لم يستطع أن يستغني عن السترة التي أعطته والدته له.ولمح في قاع الصندوق تحت الثياب حذاءً أبيض مزيناً بلمسات صفراء، فارتداه وربط حباله بإحكام. مد يده وقبض على مقبض الخنجر الأسود العاري، ثم أخفاه بمهارة فائقة داخل سترته، ودس ما تبقى من البسكويت في جيبه الأيمن. وبما أنه لم يجد مكاناً مناسباً لقارورة الماء، فقد قرر إمساكها بيده.خطا أوزيريس بخطوات ثابتة وقوية خارجاً من ظلمة الكهف. وما إن عبر الفوهة، حتى ضربت أشعة الشمس الساطعة وجهه، فرفع يده ليحجب الضوء الشديد عن عينيه الصفراوين.. لقد كان مستغرقاً في صراعه المستميت مع الموت لدرجة أنه لم يلاحظ قط أن الصباح قد حل، وأن العالم بالخارج قد أضاء بالكامل، معلناً بداية رحلة جديدة. كان هناك أثر دم على وجهه مسحه لكنه لم يختفي بالكامل حيث بقي أثره
5982f90f72bc28a3شمس الروايات41b6564c0b17fb8ad74712e0dc9d1dbb
3304486a09d93accشمس الرواياتe0de0dbd706186b4997b239e756898fd