الكوارث المتسلسلا 3

زقاق الماضي المظلم

2371cbc526cf22d0شمس الروايات02900f91b23cf13920b8dd830fefd420

المجلد الأول: بداية الكارثةلم يكن يعلم إن كانت تلك الوحوش تخرج للصيد في مثل هذا الوقت من النهار، لذلك بقي متيقظاً يترصد حركة الرياح وهو يخطو بحذر بين الأشجار الكثيفة.مشى مسافات طويلة في عمق تلك الأجمة، لكنه لم يعثر على أي أثر لوحش أو بشر، وكأن الغابة قد ابتلعت كل مظاهر الحياة في جوفها. توقف لبرهة، وارتشف آخر قطرة ماء متبقية في قارورته البلاستيكية، ثم ألقى بها بإهمال على الأرض الصلبة.فجأة، تناهى إلى مسامعه صوت غريب من أمامه. لم يستطع تمييز ما إذا كان زئير مسخٍ جديد أم حركة كائن آخر، لكن غريزته دفعته للمجازفة واستكشاف مصدر الجلبة. مد يده ببطء وأخرج الخنجر الأسود الحاد من بين طيات سترته الجديدة، ثم تقدم بخطوات خافتة لا تكاد تُسمع، وعيناه الصفراوان مثبتتان نحو الأمام بترقب شديد.مع اقترابه، لاحظ نبرة أصوات مألوفة.. أصوات تتحدث بلغة بشرية! هذا يعني أن القادم ليس وحشاً.انقشعت جبهة الأشجار الكثيفة، فخرج أوزيريس إلى بقعة واسعة خالية من الجذوع. تجمدت نظراته وهو يرى عدة أشخاص يقفون في حلقة ويتناقشون بحِدة. وفي تلك اللحظة، التفت أحدهم نحو جهته، واتسعت عيناه بصدمة قبل أن يصرخ عالياً:ـ هي! من أنت؟ عرّف عن نفسك حالاً!التفت الباقون جراء تلك الصرخة المفاجئة، ووقعت أنظارهم على أوزيريس. حدق أحدهم في ملامحه ملياً، وفجأة، انشقت شفتاه عن ابتسامة ساخرة خبيثة وهو يصيح:ـ أوه.. أوزيريس؟! لم أتوقع رؤيتك هنا أبداً.. يا لمحاسن الصدف!أمعن ذلك الفتى النظر في هيئة أوزيريس؛ كان الفتى ذا شعر أبيض وعينين زرقاوين، ويرتدي بقايا الملابس المدرسية الممزقة. لاحظ أن يدي أوزيريس فارغتان ولا يحمل أي سلاح ظاهر —إذ كان أوزيريس قد أعاد إخفاء خنجره بذكاء داخل سترته الواسعة قبل أن يلمحوه—.ابتسم الفتى أزرق العينين بجنون، وتمتم في خوالج نفسه بنشوة صامتة: «يا لها من سترة ثقيلة وممتازة.. سيكون قتله أسهل مما أتخيل بما أنه أعزل، وسآخذ تلك الملابس لنفسي بعد أن أزهق روحه».نظر أوزيريس إليهم ببرود قاتل، ولم يبدِ أي ردة فعل. سأل بنبرة جافة وخالية من المشاعر:ـ من أنت؟رد الفتى بقهقهة مستفزة:ـ أوه، أوزيريس.. هل حقاً لا تتذكر من أنا؟ هذا يحطم قلبي المسكين!وضع يديه فوق صدره بأسى مصطنع، قبل أن تتغير ملامحه فجأة، وتصبح نظراته أكثر حدة وسوداوية وهو يتابع بنبرة تقطر سماً:ـ لقد لاحظت دخولك من بوابات المدرسة في ذلك اليوم.. حينما..قاطعه أوزيريس بنبرة ساخرة وباردة حطمت كبرياءه:ـ أوه.. لقد تذكرت الآن. أنت ذاك الوغد الذي لقنته درساً قاسياً قبل أربع سنوات.احتقن وجه الفتى بالدماء وصاح بغضب عارم هز المكان:ـ اصمت أيها الحثالة! لم أنسَ تلك الإهانة يوماً واحداً، وسآخذ ثأري منك اليوم مهما حدث!تحولت نظراته إلى الجنون الخالص وهو يتلفت حوله ويهمس:ـ في هذا المكان.. لا توجد حكومة، ولا قانون، ولا شرطة! هذا يعني أنني أستطيع تمزيقك إرباً ولن يعلم أحد بذلك. بل وسأقتلك بيدي هاتين، دون أي مساعدة من أصدقائي!تساءل أوزيريس في نفسه لثوانٍ: هل كان مجرد شجار قديم كفيلاً ببث كل هذا الحقد والغل في قلبه؟ لكن سرعان ما انفرجت أسارير أوزيريس عن ابتسامة غامضة، ورفع يده اليمنى يغطي بها نصف وجهه، وبدأ يضحك بضحكات خفيفة ومكتومة.. لقد استرجع الشريط بالكامل الآن، وتذكر سبب غضبهم الأعمى.كان ذلك عند دخول أوزيريس للمدرسة لأول مرة في حياته، وكان عمره آنذاك اثني عشر عاماً فقط. كان يبدو ضئيل الحجم وأصغر سناً من بقية الطلاب الذين يتدفقون عبر الممر الرئيسي. وفجأة، اعترض طريقه ثلاثة فتية —وهم أنفسهم الواقفون أمامه الآن في الغابة—.امتدت يد زعيمهم نحو أوزيريس بخشونة وقال:ـ هي أنت.. أعطنا كل ما تملك من مال، وإلا لقناك درساً لن تنساه طوال حياتك!رد أوزيريس ببروده المعتاد الذي يستفز الصخور:ـ وماذا لو لم أفعل؟برقت عينا الفتى بشرر وقال:ـ إذن، تعال معنا بهدوء.أمسك أحدهم بذراع أوزيريس بقوة وسحبه عنوة إلى زقاق مظلم ضيق محاذٍ للمدرسة. لم تظهر على وجه الصغير أي علامات خوف أو ارتباك، بل اكتفى بتحديق بارد. تقدم الفتى الأول ولكم أوزيريس على وجهه بقوة؛ ترنح أوزيريس قليلاً ونزف أنفه، لكنه في اللحظة التالية.. انقض كوحش كاسر!أمسك بيد الفتى الممدودة ولواها بعنف مبعداً إياها عن وجهه، ثم سدد بيده اليمنى لكمة ساحقة ومباشرة إلى وجه الخصم، فسقط الفتى على الأرض صريعاً وهو يصرخ ممسكاً بأنفه الذي تهشم بالكامل.تقدم الفتى الثاني لنجدة صديقه، لكنه لقي المصير ذاته بركلة خاطفة ومحطمة. لم يتبقَ واقفاً سوى الفتى ذي الشعر الأبيض والعينين الزرقاوين، والذي اندفع برعب، لكن أوزيريس غرس ركلته بقوة في بطنه ليرتد ساقطاً يلهث على التراب.التفت أوزيريس حوله في الزقاق حتى ثبتت عيناه الصفراوان على مضرب بيسبول خشبي طويل متروك بجانب القمامة. انحنى، التقطه، وأمسك بالمضرب بكلتا يديه، ثم انهال عليهم بضرب مبرح ومروع!تطايرت الدماء على جدران ذلك الزقاق المظلم وسط صرخات استعطافهم اليائسة. حاول أحدهم الزحف والهرب، لكن أوزيريس لحق به وهوى بالمضرب على وجهه ليقطع أنفاسه.نُقل الفتية الثلاثة حينها إلى المستشفى في حالة حرجة بسبب الكسور والإصابات البليغة. ومنذ ذلك اليوم، لم يجرؤ أي متنمر على الاقتراب من أوزيريس أو النظر في عينيه؛ بل وانتشرت شائعة مرعبة في أروقة المدرسة عن "فتى مجنون أرسل ثلاثة طلاب إلى العناية المركزة بمفرده".. وكان اسم ذلك المجنون: أوزيريس.

27aa33ce76464544شمس الروايات5b55ca7b695a634a63c3c06262816b86

97833d8e0132308bشمس الروايات7c3439c525b8100588adb9871e6af8ab