a4874d4a23728d3aشمس الروايات74e833ac6f0845e267e0d1a989cf143e
المجلد الأول: بداية الكارثة بقى أوزيريس بلا حراك لبرهة، ثم انهار جسده متهاوياً نحو الأرض! لكنه استند على يده في اللحظة الأخيرة، مانعاً نفسه من الارتطام بالصخر الصلب. كان يدرك تماماً أنه إن استسلم واستلقى الآن فسوف يموت لا محالة؛ لسببين: الأول أنه سيقع فريسة سهلة للوحوش الكامنة في الظلام، والثاني هو البرد القارس الذي بدأ يزحف إلى أطرافه! ورغم أن الصقيع لم يكن قاتلاً في الغابة، إلا أنه كان كفيلاً بإنهاء حياة جسدٍ يلفظ أنفاسه الأخيرة.قاوم وتشبث بالحياة، ثم وقف بصعوبة بالغة ودماؤه القانية تتقاطر على التراب. توجه نحو شجرة قريبة وحاول تسلقها، لكن قواه خارَت وعجز عن رفع جسده بعد أن انفتح جرح يده مجدداً وتدفق منه النزيف بغزارة. استند إلى الجذع وجلس على الأرض يلهث بصوت مكتوم، ثم أخذ يلف الضمادة الممزقة حول معصمه محاولاً رتق جراحه؛ نجح في إبطاء تدفق الدم لكنه لم يتوقف تماماً. نظر بعدها إلى ساقه اليمنى المحطمة، فصُعق؛ إذ كان لونها قد تحول إلى سوادٍ داكن مدموجٍ بحمرة الموت..بينما كان يحدق بساقه المصابة، ارتسمت ملامح الصدمة والرعب على وجهه الشاحب! أصبحت أنفاسه الثقيلة أبطأ، وتبخرت قواه وتجمد جسده كلياً وهو يرفع نظره ليحدق في عتمة الغابة المظلمة.. كانت هناك ستة أعين حمراء تلمع كالجمر المستعر! ثلاثة ذئاب ضخمة اقتربت بنهم نحو جثة رفيقها الهامدة. أدرك أوزيريس على الفور أنها من ذات الفصيلة المرعبة التي واجهها قبل قليل.بدأت تلك المسوخ بالتهام جثة رفيقها الميت بشراسة مفرطة. كان أوزيريس يحاول كتم أنفاسه بصعوبة بالغة، وهو يستمع بقلب خافق يرتجف رعباً إلى أصوات تكسر العظام وتمزق الأحشاء المقززة. لكن كتم الأنفاس لم يكن كافياً؛ إذ تحرك أحد الذئاب فجأة متجهاً نحو البقعة التي ينزوي فيها أوزيريس، حتى وصل ووقف أمام وجهه تماماً!لم يجرؤ أوزيريس على الرمش حتى، بينما كان جسده ينتفض غريزياً من شدة الهلع وهو يحدق في عيني الذئب اللتين لا تبعدان عنه سوى ثلاثة أمتار! ولكن، فجأة وبشكل غير متوقع، التفت الذئب وعاد إلى الجثة مجدداً ليمزقها مع البقية. تنفس أوزيريس الصعداء، ونظر إلى يده اليمنى المرتعشة، ليتحرك ذكاؤه وسط هذا الموقف المهلك ويدرك حقيقة هامة: «هذه الوحوش عمياء تماماً.. إنها لا ترى، بل تعتمد على حاسة الشم ورصد الحركة!».بعد هذا الإدراك، تحامل على قدميه محاولاً كتم صرخات الألم التي تمزق أحشاءه، وبدأ يمشي ببطء شديد مستتراً بالظلام باتجاه أعماق الغابة، تاركاً الذئاب خلف ظهره مباشرة. ومع كل خطوة يخطوها، كانت قدمه تنزف أكثر. لم يكن قادراً على السير بمفرده، فكان يستند بضعفه على جذوع الأشجار المتباعدة، مستشعراً أن المسافة الفاصلة بين شجرة وأخرى تستغرق منه دهراً كاملاً.بعد أن مشى حوالي عشرين خطوة، التفت خلفه بحذر، ليتجمد الدم في عروقه مجدداً؛ كانت الذئاب الثلاثة تلعق الدماء الطازجة المتواجدة على الأرض بجانب الشجرة.. وهو ذاته المكان الذي كان يجلس فيه قبل دقائق معدودات!تمتم في نفسه بنبرة خافتة: «ما هذا الجحيم؟!». ثم أنزل رأسه وأكمل: «لحسن حظي أنني غادرت ذلك الموضع، وإلا لكنت الآن جثة ممزقة بطريقة بشعة بين أسنانهم الوجلة».ابتسم ابتسامة مريرة مغموسة بالألم، وواصل التقدم وهو يحدث نفسه باستماتة: «عليّ مواصلة السير.. هذا هو دافعي الوحيد الآن، إن توقفت هنا فسوف يدركني الموت حتماً!».بعد فترة من السير المضني، لمح كلفاً صخرياً يبعد عنه حوالي ثلاثين متراً. كانت عينا أوزيريس قد ذبلتا وغاصتا في جفونه، وأصبحتا نصف مفتوحتين وهو يتكأ على الشجر، بينما الدم لا يزال يتقاطر من جراحه بنزيف خفيف. مشى بضع خطوات وخانته قواه فسقط على بطنه، لكنه نهض مجدداً بعناد غريب لا يلين. كانت شفتاه متيبستين تماماً من شدة الجفاف وكأنه لم يذق قطرة ماء طوال حياته.وصل أخيراً إلى فوهة الكهف، وصوت أنفاسه المتهالكة يتردد في أرجائه الصامتة. وما إن خطت قدماه الداخل حتى انهار ساقطاً على الأرض الباردة، وأغلق عينيه ببطء مستسلماً لظلام غيبوبة عميقة..بعد فترة من الزمن لا يعلم مداها، استيقظ أوزيريس. نظر إلى ساقه المصابة وحاول النهوض، لكنه عجز تماماً وفقدت أطرافه القدرة على الحراك. أدار نظره مستكشفاً ما حوله داخل الكهف؛ لم يكن الكهف كبيراً، إذ كان طوله وعرضه يقاربان الأربعة أمتار، وارتفاعه لا يتجاوز الثلاثة. لكن الشيء الغريب والمثير للريبة في هذا المكان الموحش، هو وجود صندوق أصفر غريب يقبع في آخره، ملتصقاً بالجدار الصخري!تملك الفضول والحيرة أوزيريس تجاه هذا الصندوق العصري القابع في وسط هذه الغابة البدائية. وبسبب عجزه التام عن المشي، بدأ يزحف ببطء شديد على بطنه متجهاً نحوه، واستغرق الأمر منه عشر دقائق كاملة من الألم الحارق والزحف المضني حتى استطاع أخيراً أن يضع يده عليه.
1f083371f7970914شمس الروايات8c534e49ff3ac8177ded705c61d27829
393c50e9fd71a7f5شمس الرواياتf9367412df44a3d6372040be3f8d33e7