الكوارث المتسلسلا 3

الزئير الأخير

c28aa387c9e9ee08شمس الروايات198d6c7c6664cc60df18e836ee0c0923

كان الذئب ضخماً بحجم دبٍّ هائج. أطلق المسخ صاعقة برق صفراء بقوة تدميرية هائلة نحو أوزيريس، ممزقاً بها المكان الذي فر إليه الفتى، وفي لحظات خاطفة.. اختفى وميض الهجوم المباغت.محت تلك الضربة كل شيء في طريقها، فلم يتبقَ سوى أثر الاحتراق الحالك على الأرض، وجذوع الأشجار التي تحولت إلى فحمٍ داكن. نجا أوزيريس من ذلك الموت المحقق بأعجوبة، بعدما ألقى بجسده بقوة نحو اليسار في الجزء الأخير من الثانية.نهض على الفور وواصل الركض مسافات أطول داخل الغابة، متجاهلاً الآلام المستعرة التي تنهش ساقه. تعثر وكاد يسقط مراراً، لكنه تحامل على نفسه وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة.التفت إلى الخلف، فصُعق! كان الوحش قريباً منه لدرجة مرعبة؛ إذ ضرب الذئب الأرض بقدمه حتى تشققت صخورها. وفي لمح البصر، أمسك أوزيريس بغصن شجرة عالٍ فوقه بيده السليمة، ورفع جسده عن الأرض مستجمعاً كل ما تبقى له من قوة، معلقاً بذاك الجذع بإحكام كآخر طوق نجاة يمكن أن ينقذ حياته.مرّ الذئب من تحته مباشرة محاولاً غرس مخالبه في جسده، لكن أوزيريس ركله بقدمه اليسرى السليمة بكل ما أوتي من قوة، ليدفع بجسد الذئب بعيداً عنه قليلاً. إلا أن الوحش لم يستسلم؛ التفت بسرعة خاطفة وبدأ يشحن ضربة أخرى من صواعقه!نزل أوزيريس عن الجذع وركض إلى اليسار محاولاً تفادي الهجوم، لكن الوحش أطلق صاعقته هذه المرة بسرعة تفوق المرة السابقة بكثير، وكانت تلك مفاجأة قاتلة! اجتاحت موجة حارقة جسد الفتى، فوضع يده أمام وجهه غريزياً، واندفع الدم من فمه وهو يصارع أمواج البرق الملتهمة. كان يشعر بأن جسده يحترق وهو حي! ومع ذلك، قاوم بشراسة لا توصف، حتى بدأت بقع سوداء تهاجم رؤيته وشعر بأن العالم يدور من حوله.انتهى البرق أخيراً، لكن أوزيريس كان يبدو كأنه جثة متحركة. مع ذلك، لاحظ بعقله اليقظ أن الضربة هذه المرة كانت أسرع لكنها أضعف، مما يعني أن طاقة الوحش بدأت تنفد. نظر بطرف عينه الصفراء إلى حبلٍ متكون من النباتات المتسلقة المتماسكة المتدلية من الشجرة؛ تحرك نحوه وهو يرتجف، وجسده بالكاد يستجيب لأوامره. وضع قدمه على طرف جذع الشجرة السفلي وقفز قفزة أخيرة مستغلاً اندفاع الذئب نحوه مجدداً.أمسك أوزيريس بالحبل النباتي بقوة، وسقط على الأرض لكنه وقف في اللحظة الحرجة، ليمزقه ألم لا يطاق في ساقه اليمنى المحطمة. اختبأ خلف الشجرة بسرعة محاولاً كتم صرخاته، وفي اللحظة التي عبر فيها الذئب من جانب الشجرة، ألقى أوزيريس بالحبل بإحكام حول عنق المسخ!سحبه بقوة مروعة وهو يجاهد لمجابهة قوة دفع الذئب الهائلة. صرّ على أسنانه وسحب بجهد أكبر حتى بدأت يداه تنزفان، وتحت وطأة الاختناق الشديد، ارتفع الذئب واقفاً على قدميه الخلفيتين فقط!استغل أوزيريس تلك الفرصة الذهبية، فأسند ظهره على ظهر الذئب وسحب الحبل بكل ثقله، متجاهلاً الآلام الجسدية الكاسحة التي تكاد تفتك به. في الوضع الطبيعي، لن يستطيع فتى مصاب فعل شيء لذئب بهذا الحجم، ولكن بما أنه استغل ظهر الوحش كنقطة ارتكاز ودفع، لم يعد خنقه مستحيلاً.بدأ الذئب يقاوم، لكن المقاومة كانت تضعف شيئاً فشيئاً. في تلك اللحظة، اضطر أوزيريس لاستخدام يده المصابة أيضاً؛ إذ علم أنه إن لم يضغط بها الآن، فلن يعيش ليستخدمها مرة أخرى. سحب بقوة أكبر، وتفجر النزيف من جراحه، وكان يردد في خوالج نفسه باستماتة: «سوف أقتله.. عليّ قتله وإنهاء هذه المهزلة الآن!».شعر أوزيريس بضعف مقاومة الوحش، فتحمس أكثر وبذل جهداً مضاعفاً متجاهلاً الألم الشديد، رغم أن جسده بدأ يرتجف بعنف وكأنه على وشك الانهيار. «هل سأنهار أنا أولاً، أم أن هذا الذئب هو من سيسقط عما قريب؟» كانت هذه التساؤلات تدور في عقله المشوش.قاوم الذئب بشراسة أكبر مستخدماً آخر ما يملك من طاقة، وبدأ يضرب جسده بالأشجار القريبة ليجبر الفتى على الإفلات. تمسك أوزيريس بالحبل بإحكام وهو يتصبب عرقاً بارداً، وفجأة، في تلك اللحظة الحرجة والخارجة عن كل التوقعات.. انقطع الحبل النباتي!سقط الذئب على الأرض بلا حراك نتيجة الاختناق، بينما سقط أوزيريس أيضاً وهو يلهث بصعوبة، وترتسم ابتسامة خفيفة باهتة على شفتيه ظناً منه أن الكابوس قد انتهى.لكن الصدمة ألجمته عندما رأى الذئب ينهض من جديد وهو يترنح! تجمد أوزيريس مكانه وعرقه يتقاطر على التراب. وفي لحظة انتحارية، وقف الفتى على قدميه وهو يتعثر، وركض نحو المجهول هارباً، لكن خيانته ساقه فسقط على بطنه. وأثناء محاولته النهوض مجدداً، تحسست يده اليمنى شيئاً ما مدفوناً تحت التراب.. كانت خشبة حادة مكسورة من إحدى الأشجار.صرّ على أسنانه وعيناه مثبتتان على هدف واحد، وبكل ما تبقى له من رمق وقوة، غرس الخشبة الحادة بكل قوته في بطن الذئب المندفع نحوه!أطلق الذئب زئيراً مدوياً ومؤلماً هز أركان الغابة المظلمة، وكافح أوزيريس للبقاء واعياً أمام هول الموقف ودموية المشهد، حتى انهار الذئب أخيراً على الأرض.. جثة هامدة لا حراك فيها.

524be46fbbf2fd23شمس الروايات002baf9302fdc079c39a18c9148b95da

4268e7612796ddf0شمس الروايات57d946d38ea71625a9471f3de0b6a782