315802292bd75d42شمس الرواياتcac93b5b5b87479a460728ecb9121bc8

بعد فترة وجيزة، استيقظ أوزيريس على آلامٍ مستعرة لا تُطاق تجتاح جسده. صرّ على أسنانه بقوة محاولاً كتم صرخته الحبيسة في حنجرته، ونظر إلى يده اليسرى ليجدها ملفوفة بضمادة سوداء؛ أو بالأحرى، كانت قطعاً ممزقة من ملابس الطلاب الذين قضوا نحبهم. الشيء ذاته وجده ممدوداً على ساقه اليمنى المحطمة.التفت ببطء إلى الخلف يرمق المكان الذي سقطوا فيه، فجمدت الدماء في عروقه وتملكه ذهول مرعب؛ كانت أشلاء زملائه متناثرة في كل مكان، والدماء صبغت ضفة النهر باللون القاني، وملابسهم المدرسية ممزقة ومبعثرة بين الصخور الصماء. تذكر المشهد قبل غيابه عن الوعي، لكن رؤيته الآن عياناً جعلت بدنه يقشعر من هول الفاجعة.لهث بعنف وهو يحاول النهوض، حتى استجمع بقايا قوته ووقف متكئاً على جذع شجرة قريبة،لم يعر ماذا يفعل هل يذهب ليبحث عن ناجين ام يدخل الغابة، لكنه استبعد هذه الفكر.شعر بالحزن عليهم لكن لقد ماتوا وانتهى الأمر، ثم توجه نحو الغابة الكثيفة وهو يعرج بخطى ثقيلة ومؤلمة. لم يكن هناك أي شخص بجانبه؛ كان وحيداً تماماً كما اعتاد دائماً. بعد بضع خطوات، خانته ساقه فسقط على الأرض، لكنه قاوم ووقف من جديد، ليترنح ويسقط مرة أخرى.فجأة، خرج بضعة أشخاص من بين الأشجار الكثيفة؛ كانوا طلاباً من المدرسة ذاتها. ركض أحدهم نحو أوزيريس ملهوفاً، وأسنده على كتفه الأيمن مساعداً إياه على التوغل داخل الغابة. ومع كل خطوة، كان الإرهاق ينهش جسد أوزيريس الذي بدأ يرتجف بعنف.همس الطالب مشجعاً:ـ لا تقلق، سوف نصل قريباً.. فقط تحامل على نفسك وتحرك قليلاً. أن المكان الذي يتواجد به الطلبة الآخرون قريب.لم يرد أوزيريس، بل بدا شارد الذهن.بعد عدة دقائق، وصلت المجموعة إلى بقعة خالية من الأشجار، حيث تشتعل نار كبيرة في المنتصف، يجلس حولها الطلاب والمعلمون الناجون. كان المعلم المصاب —الذي اخترق القضيب الحديدي عينه— يجلس قريباً من الدفء، وعينه ويده ملفوفتان ببقايا ملابس الموتى أيضاً. كان ينظر إلى ألسنة اللهب وعلامات اليأس تكسو وجهه، ولم يكن وحده، بل كان الوجوم والموت يخيمان على جميع التلاميذ.ومع اقترابهم، مدّ المعلم يده بحبة دواء وقال بصوت واهن:ـ خذ هذه.. إنها مسكن لن يكون فعالاً جداً، إلا أنه كفيل بتخفيف الآلام قليلاً.نظر أوزيريس الى الحبة قليلاً ثماخذها وابتلعها دون تردد؛ فقد رآها مراراً بين يدي المعلم في أيام، حين كان يتناولها كلما داهمه ألم الأسنان.جلس أوزيريس بجانب المعلم، ولمحت عيناه الصفراوان يده المبتورة؛ نظر إليها لبرهة متأملاً هذا العجز البشري الصادم.سأل أوزيريس المعلم:ـ ايه المعلم ماذا أصاب عينك؟ـ عيني لقد أصيبت بذالك القضية الحديدي الذي كنت اشرح به الدرس.. لكن لحسن الحظ أنها لم تنغرس عميقة ولا كنت لأكون ميت الان. أدار أوزيريس رأسه نحو النار، وسأل مرا أخرى بنبرة خافتة:ـ أين نحن؟رد المعلم بصوت مكسور:ـ لا أعرف.. بل جميعنا لا نعرف! كان يوماً عادياً، بل عادياً جداً، حتى وجدنا أنفسنا قد انتقلنا إلى هذا الجحيم.تمتم أوزيريس في خوالج نفسه بإحباط ومرارة:«حالة بؤس حقاً! حتى الكبار هنا ضائعون وعاجزون مثلنا تماماً.. لا أحد يملك أي إجابة في هذا المكان الغريب، ولم تعد للمناصب أو الأعمار أي قيمة الآن».ثم وجه كلامه للمعلم قائلاً:ـ ألا توجد أي طريقة للتواصل مع الخارج؟ الهواتف، أي شيء؟هز المعلم رأسه بيأس:ـ لا شيء يعمل، الإشارات منقطعة تماماً، وكأننا خارج نطاق الكوكب بأسره. حتى البيئة هنا.. الأشجار، الهواء، كل شيء يبدو مختلفاً وعدائياً بشكل مرعب.أدار أوزيريس رأسه يتفحص المكان، فوجد ما يقارب عشرين معلماً يجلسون وهم يرتجفون رعباً. وفي تلك اللحظة، لاحظ غياب عدد مهول من الطلاب؛ كان هناك حوالي 300 طالب فقط يلتفون حول النار، بينما المدرسة كانت تضم في ردهاتها يومياً ما يقارب 1000 طالب، مما يعني أن هناك 700 طالب ليس لهم أثر!سأل أوزيريس مستنكراً:ـ أيها المعلم، أين بقية الطلاب؟رفع المعلم رأسه ببطء قائلاً:ـ لقد انفصلوا عنا.تملكت المفاجأة أوزيريس وسأله عن السبب، فأجاب المعلم:ـ الباقون رفضوا البقاء هنا، وقرروا الذهاب باتجاه الغرب عبوراً إلى الضفة الأخرى من النهر، وقد رافقهم ثلاثة معلمين أيضاً.عقد أوزيريس حاجبيه وقال:ـ لماذا ذهبوا؟ أليس من الأفضل أن نبقى معاً؟ في مثل هذه الظروف، الاتحاد يمنحنا فرصة أكبر للنجاة.تنهد المعلم بحزن:ـ لا أعرف، لكني كنت أعتقد ذلك أيضاً.. كان من الأفضل أن نتشبث ببعضنا لنعيش فترة أطول، لكن الخوف يعمي الأبصار يا بني، والجميع هنا فقدوا عقولهم وثقتهم فينا كمعلمين بعد أن عجزنا عن حمايتهم.رد أوزيريس بوجل وحذر:ـ ماذا تقصد بكلامك هذا؟ "لنعيش فترة أطول"؟ هل تقصد أننا سنموت هنا حتماً؟قال المعلم وعلامات الفجيعة ترتسم على ملامحه:ـ من ذهبوا لم يكونوا 700.. بل 600 فقط.التفت إليه أوزيريس بتفاجؤ أكبر وصاح:ـ ماذا تقصد؟! لم يمت في صفي سوى 28 شخصاً!رد المعلم ونبرة صوته ترتعش بالبكاء:ـ الباقون التهمتهم وحوش مفترسة خارقة للطبيعة! مات 71 شخصاً بوحشية على أيدي تلك المسوخ.. لقد هاجمتنا فجأة فور استيقاظنا، مزقتهم أمام أعيننا ولم نملك حتى سلاحاً للدفاع عنهم! ولهذا السبب قرر البقية الرحيل والنجاة بأنفسهم؛ كانوا متأكدين أن الوحوش ستعثر علينا عاجلاً أم آجلاً.. بسبب رائحة الدماء التي تفوح منا ومن جراحنا المتناثرة.صمت أوزيريس لبرهة. أدرك فجأة أن البقاء هنا وسط العجز ورائحة الدماء يعني انتظار الموت المحتوم فقط. وبطريقة انتحارية، تحامل على جراحه ووقف على قدمه السليمة، وبدأت يعرج ببطء متوجهاً نحو الغابات المظلمة، مفضلاً مواجهة المجهول والبحث عن فرصة حقيقية للنجاة.تمتم أحد الطلاب من بعيد بسخرية:ـ يبدو أن شخصاً آخر قد جن جنونه.أما المعلم، فقد التزم الصمت وهو يراقب تلميذه يختفي تدريجياً في جوف الظلام، مكتفياً بنظرة يملؤها الحزن والأسى على فتى يرمي بنفسه إلى المجهول.كان أوزيريس يسير في الظلام الدامس وهو يحدث نفسه:«ماذا يحدث هنا؟ ولماذا أنا في هذا المكان بالأساس؟».مشى مسافة طويلة وهو يجر ساقه متحملاً الألم الشديد القاتل. وقف قليلاً يلتقط أنفاسه ثم تابع السير من جديد كل عشرات أمتار كان يكرر ذالك.شعر أنه أصبح افضل بعد أن ابتلع المسكن.دون أن يقابل أي كائن، فبدأ يتساءل إن كان المعلم يبالغ بحديثه ليفزعهم فقط. لكن حبل أفكاره انقطع فجأة عندما تجمدت الدماء في عروقه؛ رأى عينين حمراوين تلمعان كالجمر الملتهب في عتمة الليل أمامه.كانت العينان تبعدان عنه بضع عشرات من الخطوات. تسارعت ضربات قلبه بشكل جنوني وتسمر في مكانه. وفي لمح البصر، انقض الوحش عليه بسرعة خاطفة. لم تكن هيئته واضحة بفعل الظلام الدامس، ولم يظهر منه سوى وميض عينيه الحمراوين.بحركة غريزية اندفعت من غريزة البقاء، ألقى أوزيريس بجسده جانباً متفادياً الهجمة الأولى بالكاد، واندفع يزحف ويركض مستغلاً الأشجار كنقاط عمياء لتضليل الوحش. اختبأ خلف جذع شجرة ضخمة، لكن الوحش اندفع بقوة غاشمة وقسم الشجرة إلى نصفين بضربة واحدة!لحسن الحظ، لم يكن أوزيريس خلفها تماماً؛ فقد واصل الاندفاع وهو يجر قدمه المصابة بنفاذ صبر. تراجع لاهثاً حتى صار على مسافة آمنة تمكنه من الرؤية، ثم التفت ليرى ما يلاحقه، ليصعقه مشهد شقّ عتمة الليل تماماً..كان الوحش يشحن طاقة برق صفراء مرعبة تتجمع عند قرن حاد يبرز في منتصف جبهته! وعلى ضوء ذلك البرق الساطع الذي شق العتمة، اتضحت هيئة المسخ لأول مرة: ذئب رمادي ضخم، يحيط بعنقه فرو كثيف، ويتوسط جبهته قرن يشع بالصواعق الحارقة!

2b244a583a9c1278شمس الروايات7514165932500ac83cf2785d00da97b2

46a225caac9668a0شمس الروايات0bedec518d8e6d68016e1918164b4381