7f82addcb1aecff9شمس الروايات58ff06d250e3e577806cd2141820622e
ملاحظة هامة جداً: هذه هي المرة الثالثة لي لنشر الرواية ذاتها في هذا الموقع بسبب فقداني للحساب مرتين لذا من الان سوف انشر هنا.. معكم اخوكم أحمد من سوريا. اذا تواجه اي شيء غير منطقي يرجى إبلاغي. فضلاً وليس أمراً..في عام 2073، وداخل إحدى المدن الصاخبة، كان هناك فتى يسير عائداً إلى منزله، وعيناه مثبتتان على الأرض بنظرة يملؤها الحزن.«ما هي الحياة؟ لطالما تساءلت عن ماهيتها، لكنني لم أجد جواباً محدداً.. أو بالأحرى، لم أجد إجابة البتة. مع من كنت أتساءل؟ لا أعلم.. ربما مع نفسي».كان هذا هو لسان حال أوزيريس، فتى ذو شعر أبيض فوضوي، يرتدي سترة بلا أكمام وبنطالاً يصل إلى ركبتيه، ويحمل على ظهره حقيبة سوداء. أصبحت تلك الملابس جزءاً لا يتجزأ من روتينه اليومي؛ إذ كانت آخر ذكرى متبقية من أمه التي فارقت الحياة. كان يسير بهدوء واضعاً يديه في جيبيه، وثمة حزن غريب يلمع في عينيه، يبدو معه كأنه تائه في هذه الحياة.لطالما اعتاد أوزيريس على الوحدة التي كانت تحطمه من الداخل، أو ربما أوهم نفسه بأنه اعتادها. الخيانة، الموت، الغدر.. كل هذه الصدمات تجرّع مرارتها مبكراً. لم يكن من النوع الذي يصرخ أو يشكو، بل كان يبكي ويتحطم داخلياً، ويتفتت جزءاً فجزءاً مع كل واقع مرير يصطدم به. فكر في إنهاء حياته كثيراً، لكنه لم يفعل؛ إذ كان هناك هدف غامض يدفعه للصمود طوال تلك المدة. فجأة، تسارعت خطواته حتى تحولت إلى ركض سريع، ضغط على أسنانه بقوة وواصل الركض كأنه يهرب من أفكاره.بعد فترة وجيزة، وصل إلى منزله. أسند ظهره إلى الباب المغلق مغمض العينين؛ لم يكن هناك أحد بانتظاره في الداخل، فكل من كان معهم يوماً قد غيبهم الموت. لقد اعتاد رؤية الناس يموتون بكثرة، وكان من بينهم أولئك الذين أحبهم أوزيريس بصدق: والداه، وأصدقاؤه القدامى في الميتم.هدأ روعه قليلاً، ثم تقدم إلى داخل المنزل. ألقى بحقيبته بإهمال على الأرض، وارتمى على سريره واضعاً يده اليمنى فوق عينيه ليحجب الضوء، وخاطب نفسه بيأس:«لقد مللت.. لا يوجد شيء مثير للاهتمام في هذا العالم، كل شيء يبدو مملاً للغاية. لكن لا يهم، فكل ما يعنيني الآن هو أن أعيش حياتي بأفضل صورة ممكنة، ولا يجدر بي الاهتمام بأي شيء آخر سوى قتل ذلك الشخص القذر!».نهض من سريره بتثاقل وتوجه نحو المطبخ، ثم أمسك بإبريق يحتوي على ماء ساخن، وسكبه فوق علبة نودلز سريعة التحضير، وضبط ساعة توقيت صغيرة على ثلاث دقائق.تحرك بعد ذلك نحو غرفة المعيشة المجاورة، وارتمى على الأريكة بتكاسل. مد يده ليلتقط هاتفه القابع على الطاولة وفتحه؛ دخل إلى سجل المكالمات، فلم يجد سوى رقم واحد يتيم مسجل باسم "لويس". أغلق الشاشة وعدل جلسته. كان التلفاز أمامه يسطع بأنواره، يعرض مشهداً غريباً لم يألفه؛ يد بشرية ملطخة بالدماء ملقاة على الأرض. كان المذيع يتحدث بنبرة جادة، لكن أوزيريس لم يعر الأمر اهتماماً كبيراً، ولم يلتقط من حديثه سوى كلمات متناثرة:«...وقعت جريمة أخرى اليوم، وكانت طريقة القتل مشابهة للجثث السابقة التي عثرنا عليها، وكالعادة لم نجد أي أثر للقاتل، لذا نرجو من المواطنين توخي الحذر الشديد...».تمتم أوزيريس ببرود: «جريمة أخرى إذاً؟.. سمعت أن القاتل كان يقتل الأشخاص في الليل ويضع علامات تدل على أنه هو من ارتكبها جميعاً، مع أن طرق القتل كانت مختلفة... لا يهم هذا لا يعنيني».التقط جهاز التحكم عن بعد وأطفأ الشاشة، ثم نهض متثاقلاً ليعود إلى المطبخ. لكن بسبب شروده المباغت، انزلق الهاتف من بين أصابعه ليرتطم بالأرض الصلبة، وتتحطم شاشته تماماً. بقي أوزيريس ينظر إلى الحطام لفترة بهدوء مريب، قبل أن يتنهد قائلاً في نفسه:«لقد انكسر.. حسناً، سوف أشتري هاتفاً جديداً غداً... هذا مزعج لدي مال بداخله لقد استلمت مالي في الغد فقط والآن خسرته وأنا لا أمتلك المزيد... إذاً كيف أشتري الهاتف حتى لو استطعت شراءه كيف أسترجع حسابي؟».في اللحظة نفسها، رنّ جرس الساعة الصغيرة من المطبخ معلناً جاهزية طعامه. جلس أمام علبة النودلز وبجانبها يقبع الهاتف المكسور، نظر إليه قليلاً، وتنهد، ثم بدأ بالأكل في صمت مطبق.«في اليوم التالي»كان الفتى يجلس في المقعد الأخير من الفصل بجانب النافذة، وهو الأمر الوحيد الذي كان يخفف من وطأة عزلته قليلاً.كان غارقاً في أفكاره كيف يشتري الطعام والمستلزمات المنزلية وكيف يشتري هاتفاً جديداً.وفي المقعد الأول وسط الفصل، التفتت إحدى الطالبَات نحو صديقتها وهمست:ـ هل ما زال أوزيريس يجلس بمفرده كالعادة؟ردت زميلتها الجالسة بجوارها بنبرة خافتة:ـ إنه على هذه الحال منذ أن وطئت قدمه هذه المدرسة. لا أدري أي ماضٍ قاسٍ عاشه ليبقى هكذا، لكنني أشفق عليه حقاً.عقّب أوزيريس في خوالج نفسه وهو ينظر إلى الأفق البعيد عبر النافذة:«لماذا أنا وحيد؟ ببساطة لأنني لا أحب الاختلاط بأحد أينما كنت. هذا هو الأسلوب الذي يروق لي ويحميني أنا وهم».قطع حبل أفكاره دخول المعلم إلى الصف؛ رجل ذو شعر أسود يرتدي نظارات داكنة.تحدث المعلم قائلاً: «حسناً أيها الطلاب، استعدوا لبدء حصة اليوم. لهذا أتمنى منكم...»وقبل أن يتم كلمته، شعر الجميع باختفاء الأرض من تحتهم! وجدوا أنفسهم فجأة يسبحون في الهواء! كان أوزيريس وبقية التلاميذ جالسين في أماكنهم ولكن فوق فراغ مطلق، ثم بدؤوا يهوون بسرعة هائلة نحو الأسفل. خيم الصمت لبرهة من هول المفاجأة الصاعقة، حتى استوعبوا ما يجري، فتعالت صرخات الرعب الهستيرية؛ ما عدا أوزيريس الذي التزم الصمت وعيناه متسعتان من أثر الصدمة. لم يكن فصلهم وحده من يسقط، بل كان طلاب المدرسة بأكملها يهوون نحو قاع مجهول. كان شعور انعدام الوزن والسقوط مرعباً ومفاجئاً، شعور لم يألفوه قط.ارتطم الجميع بمجرى نهرٍ كبير. لكن فصل أوزيريس لم يسقط في الماء كبقية الصفوف، بل ارتطم بقسوة مرعبة على الأرض الصخرية الصلبة المحاذية لضفة النهر. تطايرت الدماء في كل مكان، ولقي طلاب ذلك الفصل حتفهم بطريقة وحشية على جانب النهر قبل أن يدركوا ماهية ما حدث أو أين هم.لم ينجُ من ذلك الجحيم سوى شخصين: المعلم وأوزيريس. لم تكن نجاتهما بسبب الحظ، بل لأنهما سقطا فوق كومة من جثث زملائهما الطرية، مما خفف من شدة الصدمة. ومع ذلك، كانت حالتهما مزرية للغاية؛ فقد تحطمت يد أوزيريس اليسرى وساقه اليمنى بالكامل. أما المعلم فلم يكن بأفضل حال، إذ انفصل نصف يده اليمنى عن جسده، واخترق قضيب حديدي عينه اليسرى، وهو القضيب ذاته الذي كان يمسكه بيده أثناء دخوله الفصل.في المقابل، فإن أولئك الذين سقطوا في النهر نجوا جميعاً؛ إذ لم تكن المياه عميقة كفاية لتغرقهم، بل كانت تصل إلى النصف السفلي من أجسادهم فقط. خرجوا من النهر دون أن يلمحوا الجثث في بادئ الأمر لأنهم صعدوا من الضفة المقابلة، وكانت ملابسهم المدرسية السوداء قد ابتلت تماماً بالماء.تجمعوا كلهم وهم يتساءلون بذعر عما يحدث، ولماذا انتهى بهم المطاف في هذه الغابة الغريبة التي لم يروها من قبل. وفجأة، صرخ أحد الطلاب وسقط على الأرض يتقيأ رعباً. اقترب بضعة تلاميذ ليفهموا سبب هذا الهلع، لكن في اللحظة التالية انهار بضعة أشخاص آخرين وبدؤوا بالبكاء والصراخ الهستيري؛ إذ استقرت أنظار التلاميذ والمعلمين أخيراً على الضفة الأخرى من النهر.كان منظر الجثث المتناثرة صادماً وغير مألوف لأشخاص لم يعتادوا رؤية الموت عياناً بهذا الشكل المقبض. تحرك بعض الطلاب الشجعان نحو الضفة الأخرى مستجمعين قواهم، بينما سقط البعض الآخر في مكانهم منهارين تماماً.وعندما وصلوا إلى الضفة المقابلة، لم يتمكنوا من كبح دموعهم وخوفهم، وتمتم أحدهم وهو يبكي بنحيب:ـ لقد ماتوا جميعاً..لكن في تلك اللحظة، انبعث أنين خافت وضئيل من بين الركام. سمع أحد التلاميذ الصوت، فتحرك على الفور نحو مصدره، وقلب الجثة على ظهرها، وصاح مذهولاً:ـ إنه أوزيريس!ثم دوّت صرخة أخرى من جانب آخر:ـ إلى هنا.. أسرعوا إلى هنا! المعلم لا يزال على قيد الحياة أيضاً!حمل الطالبُ أوزيريسَ فوق ظهره وجاهد ليعبر به إلى الضفة الآمنة، ونجح في ذلك. وضعه برفق بجانب المعلم المستلقي، وكانا كلاهما غائبين عن الوعي تماماً.
449c19ddbc5d8d8cشمس الروايات4dcdc4f6e8cace94f97056623544193e
07f56e8eaabff3d9شمس الروايات92335ac7a452062436208bee69794bae