الكوارث المتسلسلا 3

ظلٌّ في زاوية العالم

b08e222eeef6c9cbشمس الروايات9009cad5ef9e04a7bbed4988f6704791

ملاحظة هامة جداً: هذه هي المرة الثالثة لي لنشر الرواية ذاتها في هذا الموقع بسبب فقداني للحساب مرتين لذا من الان سوف انشر هنا.. معكم اخوكم أحمد من سوريا. اذا تواجه اي شيء غير منطقي يرجى إبلاغي. فضلاً وليس أمراً..المجلد الأول: بداية الكارثةفي عام 2073، وتحت أنوار المدينة التي لا تنام ولا تهدأ، كان هو الصوت الوحيد الشاذ وسط الزحام.أوزيريس.يسير بنظرة مطأطأة إلى الأسفلت، يسحب خطاه بثقل كأن. شعره الأبيض الفوضوي. يتحرك مع كل نسمة هواء باردة، مرتدياً تلك السترة التي لا أكمام لها وبنطاله المعتاد—المظهر ذاته، والملابس ذاتها التي لم تتغير. لم تكن مجرد خيارات أنيقة، بل كانت الخيط الأخير الذي يربطه بذكرى أمه الراحلة.«ما هي الحياة؟»تردد السؤال في خفوت ذهنه، كما يفعل كل يوم.«لطالما تساءلتُ عن ماهيتها، لكنني لم أجد جواباً.. أو بالأحرى، لم أجد إجابة البتة. مع من كنتُ أتساءل؟ لا أعلم.. ربما مع هذا الصمت الذي يرافقني».يداه الغارقتان في جيبيه، وحقيبته السوداء المعلقة على ظهره، وعيناه اللتان تحملان لمعة حزنٍ قديم.. كان يبدو كالروح التائهة وسط جسدٍ حي.الوحدة بالنسبة لأوزيريس لم تكن مفهوماً يتخيله، بل جداراً سميكاً عاش خلفه حتى ابتلاكه. الخيانة، الموت، الغدر—كلها كانت دروساً تجرع مرارتها مبكراً جداً. لم يصرخ يوماً، ولم يشتَكِ لأحد؛ بل كان يتعلم كيف يتحطم بصمت، يتفتت جزءاً فجزءاً داخلياً كلما ارتطم بالواقع. فكّر في إنهاء كل شيء مراراً، لكن ثمة هدف مبهم، جمر متقد تحت الركام، كان يدفعه للصمود.وفجأة، ودون مقدمات، تسارعت خطواته. انقلب المشي إلى ركض متواصل، وضغط على أسنانه بقوة حتى كادت تتكسر، كأنما يهرب من وحشٍ يسكن أفكاره.وصل إلى المنزل أنفاسه متقطعة. أسند ظهره إلى الباب المغلق، وأغمض عينيه بقوة.الصمت داخل الشقة كان مظلماً وثقيلاً. لا أحد بانتظاره. فكل من أحبهم يوماً، غيبهم الموت في ظروف شتى؛ والداه، وأصدقاؤه القدامى في الميتم. أصبحت الجثث والموت مجرد مشهد مكرر في شريط حياته.هدأ روعه قليلاً، ثم تقدم إلى الداخل. ألقى بالحقيبة بإهمال على الأرض، وارتمى على السرير بخطوة واهنة، واضعاً يده اليمنى فوق عينيه ليحجب الضوء الدافق من السقف، ثم تمتم بمرارة:«لقد مللت.. لا يوجد شيء مثير للاهتمام في هذا العالم، كل شيء يبدو مملاً للغاية. لكن لا يهم.. كل ما يعنيني الآن هو أن أعيش بأفضل صورة ممكنة، ولا يجدر بي الاهتمام بأي شيء آخر... سوى قتل ذلك الشخص القذر!».نهض بتثاقل كمن يجر أغلالاً، وتوجه نحو المطبخ. أمسك بإبريق الماء الساخر، وسكبه فوق علبة "نودلز" سريعة التحضير، ثم أدار ساعة توقيت صغيرة على ثلاث دقائق.تحرك نحو غرفة المعيشة، وارتمى على الأريكة بتكاسل. مد يده التقاط هاتفه القابع على الطاولة وفتح الشاشة. دخل سجل المكالمات مباشرة.. لم يكن هناك سوى رقم يتيم واحد مسجل باسم "لويس". أغلق الشاشة وعدّل جلسته.على التلفاز أمامه، كانت الأضواء الساطعة تنعكس برعب؛ المشهد كان ليد بشرية مقطوعة وملطخة بالدماء ملقاة على الأرض. صدى صوت المذيع الجاد كان يتردد في الغرفة، لكن أوزيريس لم يلقِ له بالاً، ولم يلتقط من الحديث سوى كلمات مبعثرة:«...وقعت جريمة أخرى اليوم، وطريقة القتل مشابهة للجثث السابقة التي عثرنا عليها.. وكالعادة لم نجد أي أثر للقاتل، لذا نرجو من المواطنين توخي الحذر الشديد...».زفر أوزيريس ببرود: «جريمة أخرى إذاً؟ سمعتُ أن القاتل يضرب في الليل ويترك علامات تدل عليه، رغم تنوع طرق قتله... لا يهم، هذا لا يعنيني».التقط جهاز التحكم وأطفأ التلفاز، ثم قفل راجعاً نحو المطبخ. لكن في لحظة شرود خاطفة، انزلق الهاتف من بين أصابعه ليرتطم بالبلاط الصلب.. وتتهشم شاشته تماماً.وقف أوزيريس ينظر إلى الحطام لفترة بجمود مريب، قبل أن يتنهد قائلاً في نفسه:«لقد انكسر.. حسناً، سوف أشتري هاتفاً جديداً غداً... هذا مزعج، لدي مال بداخله، لقد استلمتُ مالي اليوم والآن خسرته وأنا لا أمتلك المزيد... إذاً كيف أشتري الهاتف؟ وحتى لو استطعتُ شراءه، كيف أسترجع حسابي؟».في اللحظة نفسها، دوى رنين الساعة الصغيرة معلناً انقضاء الدقائق الثلاث. جلس أمام علبة النودلز، وإلى جوارها الهاتف التهشم. نظر إليه لبرهة، تنهد مجدداً، ثم بدأ يتناول طعامه في صمت مطبق.«في اليوم التالي»كان يجلس في المقعد الأخير من الفصل، بجوار النافذة—البقعة الوحيدة التي تمنحه شعوراً بالأمان وتخفف وطأة عزله.كان غارقاً في أفكاره: كيف سيؤمن قوته والمستلزمات المنزلية؟ وكيف سيحصل على هاتف بديل؟وفي الصف الأول، التفتت إحدى الطالبَات نحو صديقتها وهمست:ـ هل ما زال أوزيريس يجلس بمفرده كالعادة؟ردت زميلتها بنبرة خافتة ملؤها الشفقة:ـ إنه على هذه الحال منذ أن وطئت قدمه هذه المدرسة. لا أدري أي ماضٍ قاسٍ عاشه ليبقى هكذا.. لكنني أشفق عليه حقاً.على الناحية الأخرى، كان أوزيريس يرمق الأفق البعيد عبر الزجاج، محدثاً نفسه:«لماذا أنا وحيد؟ ببساطة لأنني لا أحب الاختلاط بأحد أينما كنت. هذا هو الأسلوب الذي يروق لي ويحميني.. ويحميهم هم أيضاً».قاطع حبل أفكاره دخول المعلم؛ رجل ذو شعر أسود ونظارات داكنة.وقف المعلم أمام اللوح وقال: «حسناً أيها الطلاب، استعدوا لبدء حصة اليوم. لهذا أتمنى منكم...»وقبل أن يكمل جملته—اختفت الأرض!في ثانية واحدة، استحال الفراغ تحتم. شعر الجميع بأنهم يسبحون في الهواء؛ أوزيريس وبقية التلاميذ، يجلس على الهواء، أتوا فوق فراغ مطلق، قبل أن يبدؤوا بالهبوط بسقوط حر وسرعة هائلة نحو الأسفل!ساد صمت ذهولٍ مرعب لثوانٍ معدودة قبل أن يستوعب العقل هول الكارثة، ثم انفجرت القاعة بصرخات رعب هستيرية تخرق الآذان. وحده أوزيريس التزم الصمت، وعيناه متسعتان عن آخرهما من أثر الصدمة. لم يكن فصلهم وحده من يسقط.. بل كان طلاب المدرسة بأكملها، تهوي نحو قاع مجهول. شعور انعدام الوزن كان مرعباً ومفاجئاً لم يختبره أحد منهم من قبل.ارتطام!سقط الغالبية في مجرى نهرٍ ضخم. لكن فصل أوزيريس لم يكن محظوظاً؛ بل ارتطم بقسوة مرعبة فوق أرض صخرية صلبة محاذية لضفة النهر.تطايرت الدماء والتمزق في كل اتجاه، ولقي طلاب الفصل حتفهم فوراً بطريقة وحشية على الحجارة قبل أن يدركوا حتى أين هم.من بين ذلك الجحيم كله، لم ينجُ سوى شخصين: المعلم وأوزيريس.ولم تكن النجاة معجزة، بل لأن أجسادهما سقطت فوق كومة من جثث زملائهم الطرية التي امتصت شدة الصدمة. ومع ذلك، كان الثمن باهظاً؛ فقد تحطمت يد أوزيريس اليسرى وساقه اليمنى بالكامل. أما المعلم فكانت حالته مرعبة؛ نصف يده اليمنى انفصل عن جسده، وقضيب حديدي—هو ذاته الذي كان يمسكه بيده أثناء دخوله الفصل—اخترق عينه اليسرى واستقر فيها!على الضفة الأخرى، خرج بقية الطلاب الذين سقطوا في المياه. لم تكن المياه عميقة للحد الذي يغرقهم، بل كانت تصل لمنتصف أجسادهم. صعدوا إلى الضفة المقابلة وملابسهم المدرسية السوداء مبتلة كلياً، دون أن يلمحوا موقع الكارثة في البداية.تجمعوا برعب يتساءلون عما حدث، وكيف انتهى بهم المطاف في هذه الغابة الغريبة. وفجأة، تجمد أحد الطلاب، وصرخ بسقوط هستيري وهو يتقيأ رعباً.اقترب بعض التلاميذ ليفهموا، لكن في اللحظة التالية انهار بضعة أشخاص آخرين وبدؤوا بالبكاء والصراخ؛ إذ استقرت أنظارهم أخيراً على الضفة الأخرى.كان منظر الجثث المشوهة والمتناثرة صادماً ومقبضاً لنفوس لم تشهد الموت من قبل.استجمع بعض الطلاب الشجعان قواهم وعبروا المياه نحو الضفة الأخرى، بينما انهار البقية في مواقعهم. وعندما وصلوا إلى موقع الارتطام، لم يتمكنوا من كبح نحيبهم.تمتم أحدهم وهو يبكي بحرقة:ـ لقد ماتوا جميعاً..لكن، من بين ركام الأجساد والدماء، انبعث أنين خافت وضئيل.أنصت أحد التلاميذ للتنهيدة، فتحرك فوراً نحو مصدر الصوت، وقلب إحدى الجثث على ظهرها، ثم صاح مذهولاً:ـ إنه أوزيريس!وفوراً دوّت صرخة أخرى من جانب آخر:ـ إلى هنا.. أسرعوا إلى هنا! المعلم لا يزال على قيد الحياة أيضاً!حمل الطالبُ أوزيريسَ المدمى فوق ظهره، وجاهد ليعبر به مجرى النهر نحو الضفة الآمنة. وضعه برفق بجانب المعلم المستلقي، وكلاهما غائبان عن الوعي تماماً على جانب النهر.

dfa67010f8d98105شمس الرواياتc3edf6036cd5a74912775d15e56304ef

0cb1ef1ece3e5ca9شمس الروايات7063e457bb507447ce34bdfeeb90fede