لماذا أنا موجود ؟

الشيء الوحيد المتبقي

68d74ce23fd40f1bشمس الرواياتeeceef2d592efd8e7334acc3fd011114

الفصل العاشر / الشيء الوحيد المتبقيساد الصمت التام في ساحة الميتم الواسعة لعدة ثوانٍ طويلة بعد سقوط الطفل المفاجئ من النافذة. حتى الأطفال الذين كانوا يركضون ويلعبون ويلهون قبل لحظات معدودة، تجمدوا في أماكنهم كتماثيل حجرية وبوجوه شاحبة كالورق من شدة المفاجأة. أما آدم، فكان أول من استعاد وعيه وتحرك وسط هذه الصدمة؛ اندفع بسرعة جنونية نحو الطفل الساقط على الأرض الترابية، بينما تبعته أري ولوسي خلفه مباشرة بخطوات قلقة.كانت الأرض الترابية قد تشققت قليلًا من قوة الارتطام والسقوط، بينما تمدد الطفل فوقها بلا حراك تمامًا وكأن الحياة قد انطفأت فيه. شحب وجه آدم فور رؤيته للمنظر وارتجفت شفتاه: — هل… هل مات جراء هذا السقوط المرتفع؟! لكن قبل أن يقترب أكثر ليلمسه، أمسكت أري بكتفه بحزم ومنعته قائلة بصوت مرتجف: — لا تلمسه الآن، فقد تكون لديه كسور خطيرة فيظهره تحريكه للخطر!انحنت أري بسرعة بجانب الطفل الممدد، ثم وضعت يدها قرب أنفه وفمه لترقب التنفس لعدة لحظات مشدودة الأعصاب. وبعد ثوانٍ بدت وكأنها دهور، تنفست الصعداء قليلًا وألقت نظرة مطمئنة: — ما زال يتنفس، قلبه ينبض! شعرت وكأن الهواء عاد إلى صدر آدم مجددًا بعد انقطاع. لكن ذلك الارتياح المؤقت لم يدم طويلًا؛ لأن صراخًا حادًا وغاضبًا دوى فجأة من أعلى المبنى: — إنه مجنون وخطير! لقد حاول قتلنا ودفعنا من النافذة!رفع الجميع رؤوسهم نحو الأعلى باتجاه نافذة الطابق الثالث المكسورة. كان هناك طفلان يقفان بوجوه مذعورة، بينما بدت ملامح الخوف والارتباك واضحة فوق وجهيهما. أما كارل… فكان واقفًا خلفهما مباشرة بثبات غريب؛ شعره الأحمر الفوضوي يغطي جزءًا كبيرًا من عينيه الحادتين، بينما كان صدره يعلو ويهبط بسرعة جنونية من شدة التوتر والغضب المتراكم. وفي يده اليمنى… كانت قبضته الصغيرة مغلقة ومشدودة بقوة شديدة. اتسعت عينا آدم فورًا عندما رأى هيئته وتمتم بصدمة: “كارل…؟ هل حقا فعل هذا؟”بعد دقائق قليلة، تحولت ساحة الميتم إلى فوضى عارمة ومكتظة بالأطفال والأسئلة. تجمع الصغار في كل زاوية، بينما قام بعض البالغين بحمل الطفل المصاب ونقله بحذر شديد نحو بيت العلاج لتلقي الإسعافات الأولية. أما المديرة العجوز، فقد وصلت أخيرًا إلى مكان الحدث بخطوات بطيئة لكنها مرعبة، وهي تضرب الأرض بعصاها الخشبية الغليظة بعنف وقوة تثير الرهبة. — ابتعدوا عن طريقي جميعًا!ساد الصمت الفوري في المكان، حتى الأطفال الأكثر مشاكسة توقفوا عن الكلام وهربوا بأعينهم بعيدًا عنها. كانت المديرة امرأة قصيرة القامة، متقدمة جدًا في السن، لكن حضورها الطاغي ونظراتها الصارمة كانتا كافيتين لإسكات الجميع دون حتى أن ترفع صوتها. رفعت بصرها ببطء نحو نافذة الطابق الثالث وقالت ببرود وهدوء حاد: — أحضروا كارل إلى مكتبي فورًا ودون تأخير. شعرا آدم بانقباض خفيف ومؤلم في صدره، لأن تلك النبرة الهادئة للمديرة لم تكن تبشر بأي خير قط.بعد وقت قصير، جلس كارل داخل مكتب المديرة المظلم بصمت مطبق، بينما وقف آدم ولوسي وأري بالقرب من باب المكتب المفتوح يراقبون مجريات الأمور بقلق. كان الطفلان المتنمران يقفان في الجهة المقابلة من الغرفة، وقد ظهرت على وجهيهما ملامح الخوف المصطنع والارتباك. ضربت المديرة الأرض بعصاها مرة أخرى لتكسر الصمت: — أخبروني بما حدث بالضبط دون زيادة أو نقصان. تبادل الطفلان النظرات السريعة والمليئة بالتوتر، ثم قال أحدهما بصوت مهتز: — لقد… لقد هاجمنا كارل فجأة وبدون أي سبب! وأضاف الثاني مؤكدًا بسرعة: — نعم، ودفع توم من النافذة وكأنه يريد التخلص منه!ظل كارل صامتًا في زاويته، لا ينطق بحرف واحد يدافع به عن نفسه، وحتى عندما وجهت المديرة نظرها الحاد نحوه، أبقى رأسه منخفضًا. تنهدت أري بخفوت وهي تشفق عليه، أما آدم فبدأ يشعر بيقين تام أن هناك شيئًا ناقصًا وخطأً في القصة، لأن كارل لم يكن طفلًا عدوانيًا أو مؤذيًا أبدًا، بل كان يُعرف بكونه أهدأ طفل في الميتم بأكمله. ووسط هذا السكون، لاحظ آدم شيئًا لامعًا صغيرًا يبرز من داخل يد كارل المغلقة بقوة.كانت قطعة معدنية صغيرة تبدو كجزء من قلادة قديمة مكسورة. تجمد آدم في مكانه للحظة، وفي اللحظة نفسها التي همت فيها المديرة بإدانة كارل… تحدثت لوسي فجأة بصوتها الهادئ والبارد: — إنهما يكذبان جملة وتفصيلًا. التفت الجميع نحوها بذهشة واستغراب شديدين، حتى المديرة رفعت حاجبها العجوز بتساؤل. أشارت لوسي نحو الطفلين المتنمرين بعصاها الخشبية وقالت ببرود: — رأيتهما صباح اليوم وهما يسرقان شيئًا ويخفيانه من تحت وسادة كارل بالتعمد.شحب وجه الطفلين تمامًا وتطايرت نظراتهما بخوف واضح، أما كارل فارتجفت أصابعه الطفولية بقوة حول القلادة المكسورة. اقتربت المديرة منه بخطوات بطيئة، ثم قالت بنبرة أخف وأكثر هدوءًا: — أرني ما تحمله في يدك يا كارل، لا تخف. تردد الصبي للحظات طويلة، لكنه فتح قبضته أخيرًا لتظهر للعيان سلسلة فضية قديمة وبسيطة، وقد تحطم جزء منها واختفى بالكامل. نظر آدم إليها بصمت عميق؛ ورغم بساطة تلك القطعة ورخص مادتها، إلا أن الطريقة التي كان كارل يتمسك بها بها جعلتها تبدو وكأنها أثمن كنز في هذا العالم الواسع.خفضت المديرة نظرها نحو السلسلة لبرهة، ثم سألت بصوت دافئ: — هل كانت هذه القلادة تخص عائلتك التي لا تذكرها؟ ارتجفت شفتا كارل قليلًا وحاول كتم شهقته. وبعد صمت طويل مليء بالوجع، أومأ برأسه البسيط إيجابًا. ساد الصمت داخل الغرفة الخشبية، حتى الطفلان المتنمران بدت عليهما علامات الندم والخزي أخيرًا. لكن فجأة… خرج صوت ضعيف ومختنق من أعماق صدر كارل المرتجف: — كانت… الشيء الوحيد المتبقي لي منهم.شعر آدم بانقباضة قوية ومؤلمة داخل صدره وكأن أحدهم يعتصر قلبه. أما كارل، فبدأت دموعه الساخنة تنزل بصمت أخيرًا رغم محاولاته المستميتة لإخفائها أمام الجميع. — لا أتذكر وجوههم جيدًا ولا حتى أصواتهم… ارتجف صوت الصبي أكثر وتهدج. — لكنني كنت أتذكر هذه القلادة طوال الوقت… ثم قبض عليها بكفه وكأنها ستتبخر لو تركها لثانية واحدة. — وعندما حطموها وسخرو منها… توقفت كلماته فجأة واختنقت في حلقه.لكنه لم يكن بحاجة لإكمال الجملة، لأن الجميع في الغرفة فهموا تمامًا حجم الألم والفراغ الذي شعرت به روحه الصغيرة في تلك اللحظة. خفضت المديرة رأسها باحترام لألمه، أما أري فبدت وكأن قلبها انكسر تمامًا وهي تنظر إليه بنظرات مليئة بالحنان والشفقة. حتى لوسي… بقيت صامتة تمامًا هذه المرة ولم تعلق كعادتها. ووسط هذا الجو المشحون، تقدم آدم خطوة للأمام بحسم، ثم وضع يده الدافئة فوق رأس كارل برفق.— أيها الأحمق الصغير… رفع كارل عينيه الحمرواوين نحوه ببطء شديد، فابتسم آدم ابتسامة دافئة وصغيرة وقال بنبرة هادئة: — كان يجب أن تضربهما ضرباً أقسى وأكثر من ذلك بكثير! اتسعت عينا الطفلين المتنمرين بصدمة من وقاحة آدم، بينما صرخت أري بلا تصديق: — آددمم! هل جننت لتقول هذا الآن؟! لكن لدهشة الجميع، خرجت ضحكة خفيفة ومفاجئة من المديرة العجوز نفسها، هزت رأسها بتعب وألفت نظرة حانية على الصبي قائلة: — هذا الميتم ممتلئ بالمشاكل والمشاغبين حقًا، لكن يبدو أن بعض القلوب بحاجة لمن يدافع عنها.

04002df35b0ed1a6شمس الرواياتee8d7ec94957ac60a2abc720b6026780

31db1dc729c026fdشمس الرواياتc111ddd91c1182640ec6538f091b7d46