8ad5dcec340ab577شمس الرواياتc8e5dbeb395c2a9d625baf3a03b538b9
---كان الصباح ساكنًا على نحوٍ مريب، وكأنّ القصر بأكمله يحبس أنفاسه، منتظرًا لحظة الانفجار.خرجت من غرفتها، تسير وحدها عبر الممر الخلفي المؤدي إلى الحديقة الملكية.خطواتها كانت بطيئة وموزونة، لكن الثقل في صدرها لم يكن خافيًا.عند بوابة الحديقة المزخرفة، كان الملك آركسين واقفًا في الانتظار.نظر إليها للحظة، ثم قال بسخرية جافة:"هذا الفستان البسيط... محظوظةٌ أنتِ لأنك ورثتِ وجه والدتك."لم تُجِب.لم تُبدِ أيّ ردّة فعل.لكن شيئًا ما في داخلها... تجمّد.وحين مدّ يده، أمسك بيدها تقليدًا للعُرف — كمن يُمسك بدمية.فعلها من أجل المظهر... من أجل العيون المُتربّصة. لا من أجلها.وفي اللحظة التالية... انفتح الباب الخلفي للحديقة.اندفع الضوء إلى الداخل.لكن ما غمرها لم يكن الضوء فقط...بل كان شعورًا...توقف الزمن.تسارعت أنفاسها — دون أن يظهر شيء على وجهها.خطت إلى الأمام.ثم خطوة أخرى.نزلت الدرج الرخامي ببطء.كان ذراع والدها لا يزال يُمسك بها، لكنها لم تكن تطلب دعمًا.عيناها ظلّت مستقيمة إلى الأمام.وفي الحديقة... استدار الجميع.رؤوس التفتت دفعة واحدة — وكأنّ إشارة خفيّة أُعطيت لهم.عيون كالسّهام.أنفاس محبوسة.وبدأت الهمسات:"هل... هذه هي؟""يا لفستانها الباهت.""لا تنتمي إلى هنا...""لكن وجهها... يشبه تمامًا...""أمها. تشبه تلك المرأة..."وصلت إلى ممر الحديقة، تمشي بجانب الملك نحو العربة المفتوحة.لم تلتفت.وكأنها لم ترَ أحدًا.وصلوا إلى موكب العربات الملكي:خمس عربات: اثنتان في المقدمة للحرس، واثنتان في المؤخرة للفرسان،وفي المنتصف — عربتها وحدها.يُحيط بها العشرات من الجنود السائرين. بعضهم يرفع الأعلام، وآخرون يضعون السيوف متقاطعة على صدورهم كصمتٍ يسبق العاصفة.صعدت إلى العربة ببطء، ويداها لا تزالان تقبضان على فستانها.لم تنظر إلى الخلف.توقّف الملك لحظة، ثم أشار بيده.وانطلقت العربة.---مرّ الموكب عبر الشارع الملكي، حيث احتشد الناس من جميع الطبقات.اصطفّت الجموع على الجانبين، خلف الحواجز الحديدية، وكلّ الأنظار تتّجه نحو العربة الوسطى — نحو الفتاة الجالسة بصمت في قلبها.رجال، نساء، أطفال، تجّار، فلاحون، عمّال، جنودٌ مسنّون...جميعهم ينتظرون مرور الموكب.ارتفعت الهمسات:"أهي هي؟""ابنة الجاسوسة الخائنة؟""نعم، المرأة التي أغوت الملك.""يقولون إنها كانت خادمة فقط... لكنها أضعفته.""الخادمة التي جلبت العار للعائلة الملكية.""لكن انظروا إليها... جمالٌ خالص.""ساحرة جمال... وُلدت من العار.""وجهها... يُذكّرني بتلك المرأة...""وجعلوها أميرة؟ أهذا هو العدل؟""الجمال لا يمحو الدم."الناس قُساة.العيون بلا رحمة.والألسنة... سكاكين.كل جملة قُذفت نحو العربة كأنّها حجر.أما إيرين؟جلست بثبات.لم ترتجف.لم تنحنِ.لكن الثقل في صدرها ازداد.والصمت من حولها تكاثف — كدرعٍ غير مرئي.مرّت من بينهم...كمن يسير فوق الجمر.كمن يشقّ الزمن بسكين.---بلغت العربة الطريق المؤدّي إلى الساحة الاحتفالية.الأرض مرصوفة، والأعلام ترفرف، والجنود يوسّعون الطريق، والناس يتدافعون لرؤية "الابنة الملكية الغامضة."ثم — اخترق صوتٌ الهواء، خشنٌ وممتلئ بالغضب:"كيف لامرأة عاهرة أن تجلس في هذا المكان المقدّس؟!"تجمّد الزمن.توقّف الجنود، يبحثون عن مصدر الصوت.شهقت الحشود.رجلٌ في الجموع، تنتفخ عروقه من السّخط، صرخ مجددًا:"كل هذا من أجل ابنة خائنة؟!""من أجلها؟ من أجل خديعة امرأة؟ نسل جاسوسة؟!""دم العار... دم الشيطان!"اهتزّ الحشد — بعضهم مصدوم، بعضهم ساخر، وآخرون يتمتمون.قالت امرأة قرب الحاجز بسخرية:"وجهها يُعيد لي ليالي الظلام...""جميلة؟ نعم. لكن الجمال لا يطهّر الخيانة.""ستُكرّر خطايا أمها."رُميَت قطعة خبز صلبة — لم تصبها، لكنها أشعلت الفوضى.تقدّم الجنود.صرخ أحدهم: "تراجعوا فورًا!"صاح الرجل مجددًا:"ليست أميرة! إنها ابنة عاهرة!""ابنة الخطيئة لا مكان لها على العرش!"وهنا...شعرت إيرين بثقل العالم على كتفيها.لم ترتجف.لم ترد.لكن داخل العربة... قبضت على المقعد ببطء،أنفاسها ثابتة.نظرتها جامدة — كتمثال من حجر.من بعيد، لم يتحرّك الملك.أغلق الجنود الصفوف سريعًا.وأمر أحد القادة بإسكات الرجل — فدُفع بقوة إلى الخلف.لكن التوتر كان قد تفشّى في الهواء.الريبة.الحُكم.الخوف.كلّها التصقت بالعربة وهي تُتابع سيرها... لا وسط احتفال،بل تحت ثقل الصراخ — وتحت أعين لا ترى أميرة...بل وصمة عار أُعيد إحياؤها.---بعد كل ذلك،شعرت إيرين بضيقٍ خانقٍ في صدرها...دوار. غثيان.كأن الهواء تحوّل إلى حديد.أرادت التقيّؤ — لكنها تماسكت.أغلقت عينيها لحظة...وهمست في داخلها:"هم لا يعلمون... لا يعلمون...""تماسكي... سيمرّ."نصف الطريق كان قد انقضى —لكن بالنسبة لإيرين، شعرت وكأنّه دهر.وأخيرًا، وصل الموكب إلى ساحة القصر الكبرى — وانتهى العرض.بدأ الناس بالدخول، متّجهين إلى قاعة الولائم الملكية — المكان الذي لم تطأه إيرين من قبل.كل شيء كان فخمًا...جدران عالية، ثُريّات بلّورية هائلة، سجاد أحمر عميق، موسيقى كلاسيكية ناعمة من أوركسترا حيّة في الزاوية.وسط الهمسات والأنظار، دخلت إيرين عبر الأبواب الكبرى، يرافقها الملك آركسين.أمسك بيدها مرة أخرى، وفي الأخرى يمسك بكأسٍ ذهبي.رفع الكأس بهدوء وهما يتقدّمان نحو وسط القاعة.ساد الصمت الثقيل.ثم قال الملك، بصوت واثق ومهيب:"اسمحوا لي أن أقدّم لكم... ابنتي.""ابنتي التي فقدتها قبل 11 عامًا — واليوم... أستعيدها."تساقطت الهمسات كالمطر.لكن الملك تابع — صوته راسخ، مدروس، جاد:"حين فُقدت، لم تكن قد اقترفت ذنبًا...واليوم، تعود كامرأة ناضجة، نشأت على الفضيلة،وتستحق أن تُرى كابنتي الشرعية."شهقات تسلّلت من الزوايا.ثم — فعل الملك ما لا يُصدّق.خفض الكأس قليلًا وقال:"لقد ارتكبتُ خطأ... نعم، أخطأت في حقّ بلادي قبل 19 عامًا.""حين اتّخذتُ خادمة — كانت في الحقيقة جاسوسة — عشيقةً لي.""ولم أتحمّل مسؤولية ذلك الخطأ آنذاك.""لكنني كفّرت... بتربية هذه الفتاة البريئة... التي لا ذنب لها.""واليوم، أطلب منكم... أن تسامحوني."اهتزّت القاعة.بعض الضيوف شهقوا بصوت مسموع.الملك لم يعتذر علنًا قط... لأيّ أحد.لكن الحقيقة؟هو لم يكن يعتذر من أجلهم.كان يفعل ذلك... لإسكات معارضي الزواج من ممثلي المملكة المجاورة —أولئك الذين عارضوا بشدة زواج أميرهم من فتاة غير شرعية — بل، ابنة جاسوسة.الملك... كان يعلم تمامًا ما يفعل.ولم يكن ينوي التوقّف.من زاوية في القاعة، كانت عيون ممثلي فاليريان مثبتة على إيرين.همس أحدهم لرفيقه:"اعتراف علني؟"فأجابه الآخر دون انفعال:"ذكي... يُحاول كتم الاعتراضات قبل أن تبدأ."أما إيرين...فوقفت في المركز.الضوء عليها.لكنها شعرت بأنها معلّقة في الفراغ —كلّ شيء يتحرّك حولها، لكن لا أحد يراها حقًا.أعينهم لم ترَ من هي... بل ما تمثّله.رغم التصفيق الباهت بعد اعتراف الملك،وقفت إيرين بلا حركة.وجهها هادئ، كتفاها مشدودان، ذقنها مرفوعة.لكن في داخلها...غليان.سمعت دقّ دمها في عروقها —نبضًا حارقًا، خانقًا، مشبعًا بالكراهية.كلمات والدها تردّدت كأنها خناجر مغطاة بالحرير:"ربّيتها على الفضيلة..."كذبة.لم يربّها قط.لم يكن حاضرًا.كل ما فعله — أنه اختار اليوم أن يستغلّها.وجهها، دمها، صمتها...لكي يُرضي من يعارضون وجودها.وفي داخلها، تمتم وعدٌ بارد:"ستندم على هذه اللحظة، يا آركسين... ستحملها معك إلى قبرك."لم تتحرّك.لكن نظرة منها... كانت كافية لتحوّل حارسًا إلى حجر.ثم...انحنى أحد الخدم الملكيين.أخذ الملك بيدها من جديد، يقودها نحو موائد الوليمة.أُعيد ترتيب القاعة.قادها إلى نهاية القاعة، حيث طاولتان طويلتان متوازيتان.جلست إيرين على مقعدها الفضي بجانب الملك، تحت أنظار عشرات النبلاء، والمبعوثين الأجانب، وكلّ أفراد العائلة المالكة: إخوتها التسعة غير الأشقاء — المتزوّجون والعازبون — وأزواجهم، وزوجات الملك الثلاث.كلّ في مقعده المخصّص، يرمقونها بصمتٍ غارقٍ بالحُكم.---أعلن كبير الخدم بصوته العميق، منحنياً عند رأس القاعة:"فلتبدأ الوليمة الملكية."تحرّك الخدم برشاقة وأناقة، يوزّعون الأطباق والكؤوس، يصبّون الحساء، ويرتّبون الصحون الذهبية بعناية مُفرطة.ساد القاعة صمتٌ — لا يُسمع فيه سوى صوت الأدوات الفضية ورائحة الأطعمة الفاخرة.ثم — اخترق الصوت السكون.إحدى زوجات الملك.تكلّمت بصوت عالٍ يكفي لسماع الجميع:"لقد كبرتِ، إيرين... لم أظنّك ستظهرين بهذا الثبات."توقّفت بعض الأيادي.وأضافت بابتسامة خفيفة:"هل تعلمون؟ هي اختارت كل شيء في هذا الحدث — حتى الأطباق.""ذوقٌ ملكي... دليل تربية نبيلة."رمشت إيرين ببطء.لم تُجِب.لكن شيئًا باردًا جرى في عروقها.لم تكن مدحًا... بل مسرحيّة.وبالفعل، بدأت الزوجات الأخريات بالمشاركة واحدةً تلو الأخرى — كأنهنّ ممثلات تلقين الإشارة:"لطالما كانت مختلفة.""ربما كانت مختبئة — لكنها ملكية بكل المقاييس.""نحن محظوظات بوجود فتاة كهذه في العائلة."كلمات ناعمة — لكن محسوبة حتى النفس الأخير.إيرين فهمت.فهمت كلّ شيء.لقد أمرهنّ الملك.لم تكن هذه مجرّد مقدمة...بل إقناع مدروس.موجّه إلى مَن؟إلى الجالسين في الطرف الآخر من القاعة — المبعوثين الأجانب.أولئك الذين يُعارضون سرًّا زواج أميرهم من فتاة غير شرعية...ابنة خادمة... ابنة جاسوسة.لكن الملك لم يترك لهم فرصة للاعتراض.حتى إخوتها — الصامتون على الطاولة — بدوا مضطربين.لم يُخبرهم أحد بزواج إيرين!القرار كان مفاجئًا — وصادمًا.بعضهم نظر إلى أمه.آخرون مالوا إلى أزواجهم، يهمسون.الجوّ بأكمله كان أشبه بخريطة سياسية حيّة تنكشف أمام العيون.كلّ حركة، كلّ ابتسامة، كلّ مديح، كلّ لقمة...كان جزءًا من مشهدٍ نسجه الملك آركسين بدقّة.ولم يكن ينوي أن يفشل.---
7ce8922f68dab0dfشمس الروايات73c37e9f6483758cc259a142043363cc
580603fc2bebe719شمس الروايات268d1aa6f75f6fc73de86b58a1492512