f321a4005846702eشمس الروايات37f5a7b190aa0310730a1ed0a81160bf
الفصل الأول: ولادة بلا شمس───كانت السوائل الباردة تتسلل إلى عروقه.شعر بها تزحف تحت جلده كأنها ثعابين جليدية، تبطئ نبض قلبه تدريجياً، تخدر جسده من أطرافه نحو المركز. كان يعرف هذا الشعور. كان قد قرأ عنه في الكتب، شاهده في الأفلام، لكنه لم يتخيل أبداً أنه سيشعر به بنفسه.الموت البطيء. الموت الرحيم. الموت الذي يمنحونه للمدانين.في تلك اللحظات الأخيرة، قبل أن يغيب وعيه تماماً، بدأت ذكرياته تتوالى كفيلم سريع. كل مشهد من حياته، كل لحظة، كل ألم، كل خيانة. وكأن الموت يمنحه فرصة أخيرة ليرى كيف وصل إلى هنا.───تذكر والديه.وجوههما مبتسمة في السيارة، ينظران إليه من المقعد الأمامي. كان في السابعة من عمره، جالساً في الخلف، يلعب بلعبة صغيرة. ثم ضوء. ضوء ساطع. صوت احتكاك معدني عنيف. صراخ أمه. ثم... لا شيء.استيقظ في المستشفى. أخبروه أن والديه ماتا في حادث سير. لم يبكِ في ذلك اليوم. لم يستطع. كان في حالة صدمة، لا يفهم ما معنى الموت. لكنه فهم لاحقاً. في الميتم، حين كان ينام وحيداً في سرير بارد، وينظر إلى الأطفال الآخرين وهم يزورهم أهلهم، فهم.لم يعد لديه أحد.───تذكر الميتم.سنوات من الانتظار. من الأمل الزائف. كان طفلاً هادئاً، ذكياً، يقرأ كثيراً. المربون كانوا يحبونه، يقولون إنه طفل مميز. لكن هذا لم يكن كافياً ليجعل أحداً يتبناه. كانوا يريدون أطفالاً أصغر سناً، أطفالاً لم يتذوقوا بعد طعم الخسارة.ثم جاءوا. عائلة متوسطة الحال، ليسوا أغنياء ولا فقراء. نظروا إليه، ابتسموا، وقالوا: "هذا الولد سنتبناه."كان يي تشو في التاسعة من عمره حينها. كان سعيداً. سعيداً لدرجة أنه لم يستطع النوم لثلاث ليالٍ. كان سعيداً لأنه سيكون له عائلة مرة أخرى.───تذكر دونغ لي.الصبي الذي كان صديقه الوحيد في الميتم. كان أصغر منه بسنتين، خجولاً، ضعيفاً. كان يي تشو يحميه من المتنمرين، يشاركه طعامه، يروي له القصص قبل النوم. كان يحبه كأخ حقيقي، ربما لأنه لم يكن لديه أحد غيره.عندما تبناه والداه الجديدان، طلب منهم شيئاً واحداً:"من فضلكما... تبنوا دونغ لي معي."نظروا إليه، ابتسموا، وقالوا: "إذا كان هذا ما تريده يا بني."وهكذا أصبح لديه أخ.───تذكر السنوات الأولى.كانوا سعداء. حقاً سعداء. والداه الجديدان كانا حنونين معهما، يعاملونهما كأبناء حقيقيين. كانوا يلعبون معاً، يذاكرون معاً، يأكلون معاً. وكان يي تشو يشعر أن الحياة أخيراً منحته فرصة ثانية.لكن مع مرور السنوات، بدأ يشعر بشيء يتغير. نظرات والديه أصبحت مختلفة. كانا ينظران إلى دونغ لي لفترة أطول، يبتسمان له أكثر، يعطيان له حصة أكبر من الحب. بينما كان هو... كان مجرد جزء من الأثاث.في البداية، ظن أنه يتخيل. ظن أنه مبالغ. لكن الحقيقة كانت أوضح من أن تُخفى.دونغ لي كان يشبه والده بالتبني كثيراً. نفس شكل العينين، نفس خط الفك، نفس الطريقة في المشي. وبعد سنوات من الشك، قرر الوالدان إجراء اختبار جيني.وكانت النتيجة صادمة.دونغ لي كان ابنهما الحقيقي. ذلك الطفل الذي اختطفه تجار الأطفال عندما كان رضيعاً، وباعوه، وانتهى به المطاف في نفس الميتم الذي تبنى منه يي تشو.منذ ذلك اليوم، أصبح يي تشو شبحاً في بيته.لم يطردوه. لم يعذبوه. لكنهم توقفوا عن النظر إليه كابن. كانوا ينفقون عليه، يؤمنون له الطعام والملبس، لكنهم لم يعطوه الحب. كانوا ينظرون إليه كذكرى مؤلمة، كطفل أخذ مكان ابنهم الحقيقي.ودونغ لي... دونغ لي تغير.ربما كان دائماً هكذا، لكنه أخفاه. ربما كان ينتظر فقط اللحظة المناسبة. بدأ ينافس يي تشو في كل شيء، يحاول التفوق عليه، يحاول إثبات أنه الأفضل. لكن يي تشو كان دائماً أكثر ذكاءً، أكثر جاذبية، أفضل في كل شيء.وزادت الكراهية في قلب دونغ لي.───تذكر الجامعة.التقى بها هناك. كانت جميلة، ذكية، تضحك كثيراً. أحبها يي تشو من أول نظرة، وتقدم لها، واختارته هي. كانت سعادته كاملة.لكن دونغ لي كان يحبها أيضاً. وكانت رفضته.في تلك اللحظة، انتصر يي تشو. لكنه لم يعلم أن هذا النصر سيكون بداية هزيمته الكبرى.───تذكر الليلة التي غيرت كل شيء.دعته معلمته - تلك المرأة الطيبة التي علمته كل شيء - لتناول العشاء في منزلها. كان يحترمها كثيراً. وافق دون تردد.لكن عندما وصل، شعر بدوار غريب. طعم غريب في كأس الشراب الذي قدمته له. تذكر أنه قبل فقدانه الوعي رأى معلمته تسقط فجأة على الأرض ثم سقط مغشيا عليه على ورائها.استيقظ في غرفة مظلمة، جسده مخدر، رأسه يدور. كان عارياً. بجانبه، كان هناك جسد. جسد معلمته. كانت ميتة. خنقوها. والدماء على يديه. كان قد اغتصب جثتها تحت تأثير المخدر.لم يفهم ما حدث. لم يستطع التفكير بوضوح. ثم سمع صوت الشرطة يدخلون الغرفة."لا تتحرك!" صرخوا. "يداك فوق رأسك!"كانوا يبتسمون. بعضهم كان يعرف دونغ لي. كانوا جزءاً من الخطة.شاهدوا الجثة، نظروا إليه باشمئزاز، وقرأوا عليه حقوقه.───تذكر المحكمة.الفتاة التي أحبها وقفت في قفص الشهود. بكت. قالت إنه اغتصب المعلمة وقتلها. كذبت. كذبت ببراعة. لأن دونغ لي دفع لها المال. الكثير من المال.والداه بالتبني نظرا إليه من المقعد الخلفي. كانا يبكيان. كانا مخدوعين أيضاً. لم يكونا يعلمان بالحقيقة. ظنا أن ابنهما بالتبني أصبح وحشاً.دونغ لي جلس في الصف الأمامي. ابتسم. تلك الابتسامة التي عرفها يي تشو جيداً. ابتسامة الانتصار."حكمت المحكمة بالإعدام على المتهم يي تشو..." قال القاضي بصوت جاف.───الظلام.آخر ما تذكره يي تشو قبل أن يغيب وعيه بالكامل كان كلمات القاضي. ثم السوائل الباردة تغمر قلبه. ثم... لا شيء.───لكن الظلام لم يستمر طويلاً.عندما فتح عينيه، لم يكن في غرفة الإعدام. لم يكن في أي مكان يعرفه.كان الليل مظلماً، والسماء مليئة بالغيوم. كان في غابة، محاطاً بأشجار ضخمة، يسمع حفيف الأوراق وصراصير الليل.لكن الألم كان أول ما أدركه. ألم حارق في بطنه. ألم كأن شيئاً ما يمزق لحمه.نظر إلى الأسفل. كانت هناك عينان صفراوان تنظران إليه من فوق بطنه.ذئب.كان الذئب يعض بطنه، يحاول انتزاع قطعة من لحمه. دماء تتدفق، والذئب يئن بشراهة، واضعاً مخالبه على جسده الضعيف ليثبته.غريزة البقاء تفوقت على الألم والارتباك. تذكر يي تشو دراسته لطب الحيوانات. تذكر نقاط الضعف في أجسام الذئاب.مد يده بسرعة. يده اليمنى ضغطت على عنق الذئب. ليس أي عنق. في المكان المحدد الذي يسبب شللاً مؤقتاً.شعر بانقباض عضلات الذئب، ثم ارتخت فجأة. الذئب سقط بجانبه، مخالبه ترتعش، جسده يرتجف. كان مشلولاً، لكنه كان لا يزال حياً. وكان يعلم أن هذا لن يدوم سوى خمس ثوانٍ.نهض يي تشو بأسرع ما يمكن، متجاهلاً الألم في بطنه والدماء التي تتساقط. ركض نحو أقرب شجرة. جذعها عريض، أغصانها منخفضة. قفز، تسلق. أصابعه تنزلق من الدماء، عضلاته الضعيفة تكاد لا تطيعه، لكنه تسلق. وصل إلى غصن عالٍ، مرتفع بما يكفي ليكون بعيداً عن متناول الذئب.نظر إلى الأسفل. الذئب كان قد تعافى بالفعل من الشلل. وقف، يئن، يخدش جذع الشجرة. كان غاضباً. جائعاً. وكانت رائحة الدم تنبعث من جرح بطن يي تشو.تنفس يي تشو بصعوبة. جسده كله كان يرتجف. بطنه تؤلمه بشدة، والدماء لا تتوقف عن النزيف.نظر إلى يديه. كانتا نحيفتين، هزيلتين، مغطاتين بالدماء. ليست يديه. هذه يدان صغيرتان، ضعيفتان، جلدها شاحب وشبه خالٍ من الحياة. ما هذا؟ أين هو؟قبل أن يكمل تفكيره، ظهرت أمام عينيه واجهة شفافة، مضيئة في الظلام."تهانينا للمضيف على انتقاله إلى عالم رواية 'الطريق إلى القمة'."كان النص باللغة التي يفهمها، لكنه لم يكن من عالمه. كان خطاً غريباً، كأنه مكتوب بضوء خافت في الهواء."جارٍ مزامنة المضيف مع صاحب الجسد الأصلي..."شعر بشيء يحدث في رأسه. كأن نظام التشغيل في دماغه يُعاد تشغيله. ثم تدفقت الذكريات.ليست ذكرياته.ذكريات غيره.حياة كاملة. طفولة. أم. أب. عائلة. لكنها لم تكن عائلته. لم تكن أمه. لم تكن طفولته.بدأ يشعر بالارتباك. كان يرى وجهاً لامرأة تضربه، لكنه لم يعرف إن كانت هذه امرأة من ذكرياته أم من ذكريات الآخر. كان يرى طفلاً صغيراً تُحرق وجهه بالماء المغلي، لكنه لم يعرف إن كان هذا الطفل هو هو أم شخص آخر."من أنا؟" همس، لكن صوته لم يخرج.تذكر الميتم. لكن هل كان ميتمه هو؟ أم ميتم ذلك الشخص الآخر؟تذكر أمه. لكن هل كانت أمه هي التي تحتضنه أم التي تحرق وجهه؟الذكريات تتداخل. تتشابك. تتعارض.رأى نفسه في كرسي الإعدام. ورأى نفسه في زاوية مظلمة من منزل تعذبه عائلته. رأى نفسه يموت مرتين في آن واحد."توقف..." همس، لكن الكلمة لم تخرج من فمه. "توقف... أنا... من أنا؟"كان يفقد نفسه. كان يغرق في بحر من الذكريات لا يعرف أين تبدأ ذكرياته وأين تنتهي ذكريات الآخر. كأن روحه تذوب في روح أخرى، وكأن حدوده تتلاشى.رأى ثلاثة أشخاص يتظاهرون بحبه ثم يخونونه. هل هؤلاء خانوه هو أم خانوا الآخر؟رأى عائلة تنظر إليه باشمئزاز، ترميه في غابة. هل هذه عائلته أم عائلة الآخر؟"أنا... أنا يي تشو..." حاول أن يتمسك باسمه. "أنا يي تشو... أليس كذلك؟"لكن الاسم بدا غريباً على لسانه. وكأنه اسم لشخص آخر."تانغ لو..." همس دون أن يفهم لماذا. "اسمه تانغ لو..."لكن حتى هذا الاسم بدا غريباً. وكأنه ليس له ولا للآخر.كانت الموجة تجتاحه. حياة كاملة تنهمر عليه في ثوانٍ. كل زاوية من زوايا روحه كانت تمتلئ بآلام الآخر. كان صراخاً صامتاً، عصفاً بلا ريح."توقف..." صرخ بصمت. "توقف... من أنا؟"ثم، فجأة، اختفى كل شيء."تمت المزامنة بنجاح."ظهرت واجهة جديدة. هذه المرة، كانت تحتوي على عدة خيارات، لكن كلها كانت رمادية ومغلقة باستثناء واحد."سيتم تحقيق أمنية واحدة للمضيف." قرأ بصوت مرتجف. "يجب أن تكون الأمنية رغبة صاحب الجسد الأصلي. سيمنح المضيف ثلاث محاولات لمعرفة الأمنية الحقيقية.""في كل محاولة خاطئة، سيتوقف النظام عن العمل لمدة أسبوع.""مدة التحقيق: 10 دقائق."ظهر عداد في زاوية الواجهة: 10:00، ثم بدأ ينقص.تنفس بعمق. كان يعرف أن كل ثانية ثمينة. كان يعرف أن عليه التفكير بسرعة.فكر في تانغلو. في حياته. في آلامه. في تلك الذكريات التي تدفقت إلى روحه للتو.تذكر تلك اللحظة النادرة التي عبر فيها تانغلو عن أمنيته. كان جالساً في زاوية مظلمة من المنزل، بعد أن ضربته أمه، ودمعة تتساقط على خده المحروق. قال بصوت بالكاد مسموع: "ليت أمي أحبتني...""حب الأم." قال بصوت واثق بعد دقيقتين من التفكير. "أمنيته كانت حب أمه.""إجابة خاطئة."ظهر النص بسرعة، وجمد دمه."توقف النظام لمدة أسبوع واحد."العداد اختفى، وحل محله عداد جديد: 7 أيام، 0 ساعات، 0 دقائق، 0 ثوانٍ.شعر بغضب بارد يتسلل إلى قلبه. لم يخطئ في التخمين. تانغلو كان يتمنى أن تحبه أمه. لكن النظام قال إنه مخطئ.نظر إلى العداد. بقي 8 دقائق. لا يزال لديه وقت.فكر مرة أخرى. فكر في تانغلو. في كل لحظة من حياته. في كل خيانة."ربما..." تردد. ثم قال بعد 8 دقائق من التفكير: "ربما أمنيته كانت عائلة محبة؟ عائلة تحبه كما هو؟""إجابة خاطئة."ظهر النص مجدداً."توقف النظام لمدة أسبوعين."الآن أصبح العداد: 14 يوماً، 0 ساعات، 0 دقائق، 0 ثوانٍ.ارتجف. محاولتان خاطئتان. محاولة واحدة متبقية. وإذا أخطأ، سينام النظام لثلاثة أسابيع. في عالم لا يعرفه، في جسد ضعيف، في غابة مليئة بالوحوش، دون أي مساعدة.جلس يفكر. كان يحاول الدخول إلى روح تانغلو، إلى ذلك الجزء المندمج الآن مع روحه. نسي الوقت. نسي العداد. كان غارقاً في التفكير."انتهت المهلة."ظهر النص فجأة."لم يتمكن المضيف من معرفة الأمنية الصحيحة في المهلة المحددة. سيتم تطبيق العقاب: توقف النظام لمدة ثلاثة أسابيع."العداد تغير: 21 يوماً، 0 ساعات، 0 دقائق، 0 ثوانٍ.ثم، قبل أن يختفي، ظهر نص آخر:"جارٍ البحث في ذاكرة المضيف وروحه... بما أنها اندمجت مع ذاكرة وروح صاحب الجسد الأصلي...""تم العثور على أمنية صاحب الجسد الأصلي.""أمنية تانغلو الحقيقية: تغيير نسله وجسده.""جارٍ تحقيق الأمنية..."شعر بألم. ليس ألماً عادياً. بل ألماً حارقاً، كأن جسده كله يشتعل من الداخل. كأن عظامه تذوب وتتشكل من جديد، كأن جلده يُحرق ويُعاد تشكيله، كأن الحمض النووي في كل خلية من جسده يُعاد كتابته.صرخ. صرخ بأعلى صوته، لكن صوته اختنق بالألم. جسده يرتجف على غصن الشجرة، وكاد يسقط، لكنه تمسك بكل ما تبقى من قوة فيه.ثم، ظلام.───عندما استيقظ، كان الصباح قد أشرق.السماء كانت رمادية، لكن الضوء كان كافياً ليرى حوله. الذئب كان قد رحل. ربما مل الانتظار، أو ربما وجد فريسة أسهل.جلس على غصن الشجرة. كان جسده يؤلمه، لكن الألم كان مختلفاً. لم يكن ألم الجرح الحارق في بطنه، بل ألم عضلاته المتعبة من التسلق. ألم الجوع أيضاً كان موجوداً، لكنه لم يعد ذلك الجوع الحارق الذي كان يشعر به قبل الإغماء.نظر إلى يديه. كانتا لا تزالان نحيفتين، لكن... شيئاً ما كان مختلفاً.الندبات. كانت الندبات قد اختفت. كل تلك الجروح القديمة، كل تلك الندبات التي غطت أصابعه ومعصميه... لم تعد موجودة. الجلد كان ناعماً، طبيعياً، كأنه لم يُعذب يوماً.رفع يده ببطء إلى وجهه - إلى الجهة اليمنى - ولمس خده. كان أملس. سليماً. لم يكن هناك ندبة محروقة تحت أصابعه.توقف عن التنفس للحظة."ماذا..." همس بصوت بحة. "ماذا حدث لي؟"نظر إلى جسده. كان جسده مختلفاً. لم يعد ذلك الهيكل العظمي النحيف المغطى بالجروح. أصبح جسده عادياً، صحياً، أكثر امتلاءً. ولم تكن العضلات واضحة، لكنه شعر أن جسده أصبح أقوى."إذاً..." قال بصوت لا يزال متردداً. "هذا جسد جديد. جسد لم يعد تانغلو."نظر إلى يديه مجدداً. كانتا يدين غريبتين. ليست يد يي تشو، وليست يد تانغلو. كانت شيئاً بينهما. شيئاً جديداً.شعر بذلك الغموض في هويته. هل هو يي تشو الذي انتقل إلى جسد آخر؟ أم هو تانغلو الذي استيقظ بوعي جديد؟ أم هو شخص آخر ولد من اندماجهما؟قبل أن يجد إجابة، ظهرت أمامه واجهة النظام مجدداً. لكنها كانت مختلفة هذه المرة. العداد ما زال ظاهراً: 21 يوماً، 0 ساعات، 0 دقائق، 0 ثوانٍ. النظام كان لا يزال نائماً.لكن الواجهة كانت مفتوحة على قائمة واحدة فقط: الملف الشخصي.ضغط عليها دون تفكير. ظهرت معلوماته:الاسم: (غير مسجل)العمر: 20 سنةتاريخ الميلاد: 22 ديسمبرفقط هذه المعلومات. لا نسب. لا مستوى. لا شيء آخر.توقف عند خانة الاسم. كانت فارغة."يجب أن أسجل اسماً." همس.نظر إلى السماء. كانت السماء رمادية، السحب تغطي الشمس. تذكر شيئاً قالته له مربية في الميتم عندما كان طفلاً: "لقد ولدت في يوم خسوف يا يي تشو. في اليوم الذي لم تظهر فيه الشمس. لهذا بشرتك شاحبة كالقمر."وكان تانغلو قد سمع طوال حياته أن السماء لعنته. أن قدره أن يعاني. أن لا أمل له.نظر إلى يديه الجديدتين، الخاليتين من الندبات. فكر في كونه الآن شخصاً جديداً، ليس يي تشو ولا تانغلو. شخصاً ولد من رمادهما."سماوي." قال بصوت بدأ يثبت. "سأكون سماوياً. رغماً عنها. رغماً عنهم. رغماً عن الجميع."توقف. فكر في حياة يي تشو، في يوم خسوف شمسه. فكر في حياة تانغلو، في لعنة السماء عليه."تيان." قال. "سماوي. هذا لقبي."ثم أضاف:"ووري." بلا شمس. "هذا اسمي.""تيان ووري." قال بصوت عالٍ. "سماوي بلا شمس. ولدت في الظلمة مرتين، لكنني سأضيء طريقي بنفسي. سأكون سماوياً رغماً عن السماء التي لعنتني."كتب الاسم في خانة الاسم الفارغة."تم تسجيل الاسم: تيان ووري.""معنى الاسم: السماوي بلا شمس (تيان: سماوي - ووري: بلا شمس)."صمت للحظة. نظر إلى يديه، ثم إلى الغابة، ثم إلى السماء الرمادية.ثم قال، بصوت هادئ لكن حازم:"يي تشو مات."توقف."تانغ لو مات أيضاً."توقف أطول."من هذه اللحظة..."رفع رأسه إلى السماء."أنا تيان ووري."شعر بشيء يتحرك في صدره. ليس الألم، ليس الحزن، بل شيء أقوى. عزيمة. تصميم. إرادة لم يشعر بها من قبل. وكأن الكلمات التي قالها للتو قد ختمت هويته الجديدة، وكأن يي تشو وتانغلو قد رحلا للأبد، وتركا مكانهما لشخص جديد.نظر إلى جسده الجديد، إلى يديه الخاليتين من الندبات.ثم، تذكر شيئاً. بطنه. الجرح. كان قد نسي الألم لأنه تلاشى. لكنه كان متأكداً أن الذئب قد عض بطنه بشدة، لدرجة أنه كاد ينتزع قطعة من لحمه.نظر إلى بطنه بسرعة.لم يكن هناك جرح. لا أثر للعضة. لا دماء. فقط جلد سليم، ناعم، كأن شيئاً لم يحدث."تعافى الجرح..." همس في دهشة. "كيف...؟"لكن سرعان ما تذكر كلمات النظام الأخيرة: "تغيير الجسد". إذا كان جسده قد تغير بالكامل، فمن المنطقي أن الجروح القديمة اختفت معه. حتى جرح الذئب.تنفس الصعداء. كان محظوظاً. لو لم يتغير جسده، لكان نزيفه قد استمر، ولربما مات هنا على غصن هذه الشجرة.لكن شيئاً آخر كان يزعجه. رائحة الدم. كانت تفوح من قميصه الممزق. تلك الرائحة قد تجلب حيوانات أخرى، وحوشاً أخرى. يجب أن يتخلص من القميص فوراً.نزع قميصه الممزق ببطء، وكان على وشك رميه إلى الأسفل، عندما توقف.كان هناك شيء على جسده. شيء لم يكن هناك من قبل.رسمة. رسمة تمتد من أسفل رقبته، تلتف حول صدره وخصره، وتنتهي عند سرته. ثعبان أسود بعينين حمراوتين، برأس تنين. تفاصيله دقيقة، كأنها وُشمت بيد ماهرة، لكنها كانت جزءاً من جلده، وكأنها ولدت معه.لم يكن هذا الوشم موجوداً من قبل. كان يعرف جسد تانغلو جيداً - الذكريات تخبره بكل ندبة، كل جرح، كل تشويه. لم يكن هناك وشوم."النظام..." همس. "النظام وشم هذا عليّ."نظر إلى الثعبان الأسود برأس التنين. عرفه. كان يي تشو قد قرأ عنه في كتب الأساطير عندما كان مهتماً بطب الحيوانات. كان تانغلو قد حلم به في ليالي عذابه.ثعبان ولد ليكون ضعيفاً، يزحف في التراب. قدر له أن يبقى ثعباناً حقيراً طوال حياته. لكنه كسر القدر. تحدى السماء. وتحول إلى تنين يطير بين الجبال والأنهار."مثلي." همس تيان ووري. "مثلي تماماً. ولدت ضعيفاً، لعنني الجميع، لكنني سأتحول إلى تنين. سأحطم القيود. سأحلق في السماء رغماً عنها."نظر إلى واجهة النظام مرة أخرى. العداد ما زال يعمل: 21 يوماً، 0 ساعات، 0 دقائق، 0 ثوانٍ."ثلاثة أسابيع بدون نظام." قال بصوت منخفض. "ثلاثة أسابيع لأعتمد على نفسي فقط."نظر إلى التفاح في أغصان الشجرة. كان جائعاً."حسناً." قال بصوت حازم. "لنفكر في كيفية الخروج من هذه الغابة."بدأ يحلل البيئة حوله. عقل يي تشو التحليلي اجتمع مع حدس تانغلو العاطفي. لاحظ السياج الكهربائي في الأفق - كان يسمع طنينه الخافت. لكنه لاحظ أيضاً أن الأشجار كانت تنمو بكثافة بالقرب من السياج، وأن بعض الفروع كانت قريبة منه."ربما..." فكر بصوت منخفض. "ربما يمكنني استخدام الفروع لعبور السياج."نظر إلى الأسفل. الذئاب لم تعد موجودة، لكنه رأى آثار حيوانات أخرى. دببة؟ خنازير برية؟ لا يعرف. لكنه عرف شيئاً واحداً: البقاء هنا ليس خياراً.مد يده نحو تفاحة قريبة، قطفها، وأخذ قضمة صغيرة. الطعم كان حامضاً، لكنه كان طعاماً. كان شيئاً."ثلاثة أسابيع." همس تيان ووري، وهو يمضغ التفاحة ببطء. "ثلاثة أسابيع لأثبت لنفسي أنني لست بحاجة لأحد. ولا حتى للنظام."نظر إلى وشم الثعبان الأسود على صدره. نظر إلى السماء الرمادية فوقه. نظر إلى الغابة التي كانت سجنه."سأخرج من هنا." قال بصوت هادئ لكن حازم. "وسأبدأ حياة جديدة. حياة تيان ووري. السماوي بلا شمس."وفي تلك اللحظة، بدأ يخطط. خطته الأولى: النجاة من الغابة. خطته الثانية: البقاء على قيد الحياة في عالم لا يعرفه. خطته الثالثة: أن يصبح قوياً بما يكفي ليواجه كل من ظلمه. في حياتيه السابقتين."عائلتي في الحياة الأولى. عائلتي في الحياة الثانية. كل من خانني." تمتم. "ستأتي الأيام التي ترون فيها تيان ووري. وستندمون."ألقى ببقية التفاحة في فمه، وبدأ ينزل من الشجرة ببطء. كان جسده الجديد أقوى، لكنه ما زال يحتاج إلى التدريب. إلى الطعام. إلى خطة.نظر إلى السياج الكهربائي في الأفق، وبدأ يمشي نحوه.كانت رحلة طويلة تبدأ.───نهاية الفصل الأول
56ee77ce647177fbشمس الرواياتf44c3c4d356eb8cf8086dfa106aa37b5
7c9868e1c971b601شمس الروايات639a20510c3c7a4bdb231e6b4b375321