4eae31e0b7719438شمس الروايات691281a1ec11a8ff70c9f94a62159b8d
الفصل الثالث: «ظلّ الصيّاد»كان الكهف بيتًا مظلمًا، لكنه آمنٌ على نحوٍ خادع.فالظلمة لا تعني السلام، بل فقط غياب ما لا تراه.ومنذ تلك الليلة، حين امتصصتُ الدم الداكن وشعرتُ بشرارةٍ غريبة تسري في جسدي،بدأ الكهف يضيق عليّ… كأن جدرانه تعرف أنني لم أعد من سكانه الضعفاء.لم أكن أريد الرحيل.لكن رائحة الهواء تغيّرت — صارت مختلفة، تحمل شيئًا جديدًا…شيئًا يشبه الحياة.رفرفتُ ببطءٍ، عبر الممرات التي صارت مألوفة لدرجة الملل.الماء المتساقط من السقف، الجدران الحاكة، الفراغات الصغيرة حيث كنت أختبئ من الصيّادين الأكبر…كلها بدت الآن مجرد صدى قديم لحياةٍ ضيقة.ثم جاء الضوء.كان خطًا باهتًا أول الأمر، يتسلل من شقٍ في الجدار.ضوءٌ رمادي، غريب، يكاد يكون بلا لون،لكنه أوجع عينيّ.لم أرَ النور منذ أن فتحت عيني في هذا الجسد.ترددت.ثم زحفت نحوه.كلما اقتربت، ازدادت الرائحة قوّة — رائحة ترابٍ حقيقي، وأوراقٍ مبللة، ورياحٍ تتحرك بحرية.دفعت نفسي للخروج،وفجأةً، شعرت بالهواء يصفع جناحيّ.كنت في الخارج.العالم لم يكن كما توقعت.السماء لم تكن سماءً حقيقية، بل قبةٌ رمادية تتدلى منها جذوع ضخمة كالأعمدة.شمسٌ باهتة تتسلل من ثقوبٍ بين الأوراق الهائلة.غابةٌ كثيفة تمتد إلى ما لا نهاية،تملؤها أصوات: صراخ، همسات، نبضات حياةٍ لا أعرفها.وقفت على غصنٍ مائل، أتأمل المشهد.للمرة الأولى، شعرت بشيءٍ يشبه الرهبة الجميلة.كل ما في الخارج حيّ… لكنه مفترس.في الأسفل، تحركت أشكال صغيرة — مخلوقات شبيهة بالفئران، بأعينٍ متوهجة.كانت تلعق جثة طائرٍ سقط من الأعلى.حين مالت إحداها قليلًا، رأيت أن فكها يفتح للخلف حتى منتصف الرأس.ابتلعت جزءًا من الجثة في لقمةٍ واحدة.لم أتحرك.اكتفيت بالمراقبة،لكن قلبي (أو ما يشبهه الآن) كان يخفق بسرعة.أول مرة أرى الدم وهو يسيل في الضوء.بقيت أراقب الغابة لساعات.كنت أتعلم.كل مخلوق هنا يتحرك وفق غريزةٍ محددة،وكأنهم جميعًا يخضعون لقانونٍ واحدٍ لا يُقال بصوتٍ عالٍ:من لا يتغيّر، يُؤكل.شيءٌ ما في داخلي استجاب لتلك الفكرة.ليس بالخوف، بل بالإصرار.قررت أن أتعلم الصيد… ولو على طريقتي الخاصة.بدأت بمحاولة التقاط صوت الحشرات في الهواء.كانت أجنحتها تصدر ذبذباتٍ حادة، أستطيع تتبعها بسهولة.لكن المشكلة أن سرعتي لا تكفي.في كل مرة أقترب، أضرب الهواء الفارغ، وأرتطم بالغصن.لم أعد أملك طاقة للضحك على نفسي،لكن شيئًا بداخلي لم يسمح لي بالتوقف.وفي المحاولة العاشرة أو الحادية عشرة، حدث ما لم أتوقعه:حين غيّرت زاوية جناحي في اللحظة الأخيرة،أحسست بالهواء ينضغط تحت جسدي ويدفعني للأعلى.امتزج الإحساس بالخفة مع رعشةٍ في صدري.ارتفعتُ فجأة، ثم اندفعتُ للأمام… واصطدتُ الحشرة!صوتُ انكسارٍ خافتٍ، ثم الدم يسيل على لساني.طعمه هذه المرة لم يكن مرًّا.كان دافئًا… كأنه مكافأة.لم أشعر بالوقت بعدها.كنت أكرر التجربة، أتعلم كيف أتحكم في الهواء،كيف أوازن بين رفرفةٍ سريعة وصمتٍ تام.بدأت أرى الغابة من الأعلى،كما لو أنني أصبحت جزءًا منها.لكن الغابة لا ترحم الفضوليين.بينما كنت أستريح على غصنٍ مائل،سمعت صدىً منخفضًا… ليس صدى مخلوقٍ صغير،بل نغمة عميقة تشبه الطبول.كل المخلوقات في الأسفل توقفت لحظة،ثم اختفت بين الجذور، كأنها تعرف الخطر القادم.بقيت وحدي، أستمع.الصوت يقترب، ببطءٍ منتظم، مع رائحةٍ ثقيلة من الدم.وفجأة، خرج من بين الضباب جسمٌ أسود ضخم،أربعة أرجل قصيرة، جسد مغطى بجلدٍ متشققٍ كالفحم.عينان حمراوان تحترقان في الظل.كان صياد الغابة السفلية،كما سيخبرني عقلي لاحقًا،المخلوق الذي يعيش فقط ليمحو الضعفاء.حين رفع رأسه نحوي، شعرت أن كل شيءٍ داخلي يتجمد.لم يكن ينظر بعينيه… بل بسمعه.صدى أنفاسه وحده كان كافيًا لجعل الهواء يرتعش.رفرفتُ دون تفكير.لكن الصوت تبعني، خطوة بخطوة.كان يسمع جناحيّ، يتتبع الذبذبات.كلما صمتُّ، توقف.كلما تحركتُ، تحرك.في تلك اللحظة أدركت أني سأُقتل إن بقيت في الهواء.هبطت إلى الأرض، وانكمشت خلف جذع شجرةٍ متعفنة.ظلّ الصياد مرّ فوقي،أنفه يشم، لسانه الأسود يلتف حول الحصى،ثم تابع طريقه ببطء.لم أتحرك حتى اختفى الصوت تمامًا.حين خرجت، كان جسدي يرتجف.الخوف جعل جناحيّ يرتعشان بلا إرادة،لكن هناك شيء آخر تسلل في داخلي مع ذلك الخوف:إحساس بأنني أتعلم.أنني أكتشف حدود جسدي لا من القوة، بل من الخطر.في هذا العالم، لا يمكن أن تفهم نفسك حتى يوشك أحدهم أن يمزقك.نظرت إلى الأفق الرمادي،حيث بدأت الضبابات تتراجع قليلاً،وتسرب ضوءٌ خافت من الأعلى.تنفستُ بعمق، وقلت لنفسي:“يبدو أنني لن أعيش هنا طويلاً كخفاش.”ثم أطلقتُ أول صرخةٍ حقيقية لي منذ استيقاظي،صرخةً لم تكن خوفًا ولا ألمًا،بل وعدًا بسيطًا:أن أعود في يومٍ ما،وأكون أنا من يصطاد.في الظلال البعيدة،كانت عينان تراقبانه من بين الأغصان،تتوهجان بلونٍ بنفسجيّ غامض.ولوهلةٍ قصيرة،خُيّل لريو أن الغابة كلها تبتسم له —ابتسامة من تعرف أن رحلته بدأت للتو
653031d5e560a5bfشمس الروايات79720fc29c1e7485bb54fd89e6363fd4
08ef25f121fe3098شمس الروايات967c891c4a1bfcd6d9dbe72387077c9e